إشكالية بطلان الإجراءات في التشريع الجزائري

 

في  المدة الأخيرة تفاجأ  بعض  المحامين  بصدور  أحكام و  قرارات قضت بعدم قبول  الدعوى  شكلا   لعدم تأريخ عريضة  افتتاح الدعوى   أو عريضة الاستئناف  فيما  أنه لم يقع أن صدرت مثل هذه  الأحكام   التي  أضفت على إجراء  التأريخ طابع  النظام العام  باعتبار  أن عدم القبول  قضت به   هذه الجهات القضائية من تلقاء نفسها دون أن  يتمسك به  الخصم. ما استقر عليه القضاء أن  إجراء   تأريخ  عريضة رفع الدعوى  و حتى و لو  نص  عليه القانون  فإن  إغفاله لم يرتب عليه المشرع أي جزاء و من ثمة لا يجوز الحكم بالبطلان.القضاء  الذي رتب البطلان على إغفال تأريخ  عريضة افتتاح  الدعوى  أو عريضة الاستئناف  و اعتباره كإجراء من  النظام العام لا يساير الأحكام القانونية  المطبقة على نظام البطلان في  تشريعنا. لا  شك أن نظام بطلان الإجراءات في قانون  الإجراءات المدنية و الإدارية  ما زال يتسم في  بعض جوانبه بتعقيد  مفرط  و يثير إشكالات قد تجعل من الصعب القول هل أن إجراء معين أقره هذا القانون بصفة إلزامية تحت طائلة البطلان أي يعتبره كإجراء من النظام العام  أم أقره فقط  كإجراء شكلي ليس له الطابع الجوهري يمكن تصحيحه و لا يجوز  للقاضي إثارته تلقائيا.

إن القضاء الذي نهجته الجهات القضائية و الذي أضفى على  عدم  تأريخ  عريضة رفع  الدعوى  طابع النظام العام و الذي في  نظرنا  هو قضاء  خاطئ ، و حتى و لو كان الأمر  يتعلق بعدم  قبول الدعوى شكلا  فقط فيجوز لذلك مبدئيا إعادة رفع الدعوى من جديد ،فإن  القضاء بعدم القبول  على مستوى المجلس القضائي قد يكون له  أثر أكثر خطورة قد  يصل  إلى سقوط  حق من  أغفل هذا الإجراء و ذلك لأن أجل الاستئناف يكون  قد انقضى وقت التصريح بعدم  قبول عريضة الاستئناف. إن  هذا القضاء يتعارض حتى مع نصوص قانون الإجراءات لمدنية و الإدارية التي تعالج  المسألة فالمادة 14 تشير فقط إلى أن الدعوى ترفع أمام المحكمة " بعريضة  موقعة و مؤرخة" دون احتواء هذا النص لصيغة إلزامية كما هو حال البيانات الأخرى المذكورة  في المادة 15 التي استعملت كلمة " يجب" ، و إما بالنسبة لعرضية الاستئناف فإن المادة 540 لا تحتوي أي إشارة لوجوب  تأريخ العرضية و نفس الشيء بالنسبة لعريضة الطعن بالنقض.

ما قضت به الجهات القضائية في مسألة إضفاء الطابع من النظام العام لإجراء تأريخ العرائض المقدمة أمامها يثير مسألة بطلان الإجراءات في  التشريع  الجزائري  و هو  موضوع هذا  المقال.

 تنوع أنظمة البطلان في التشريعات الأجنبية

 لا يمكن تصور قواعد تخضع لها أعمال الإجراءات دون إرفاقها بقواعد جزاء مخالفتها.فجزاء قاعدة ما هو مقياس فعاليتها.فكل التشريعات بدون استثناء أقرت أنظمة للبطلان قد تختلف من بلد لٱخر، ولكن أغلبية التشريعات تميز بين الإجراء الجوهري الذي يترتب على مخالفته البطلان، والإجراء الشكلي المحض الذي يترك للقاضي تقدير جزاء مخالفته.

   فالقانون الفرنسي مثلا يميز بين العيب في الشكل والعيب في الموضوع.فإذا تعلق الأمر بعيب في الشكل ، فلا يبطل الإجراء إلا إذا نص على ذلك القانون صراحة  (1 )، وإذا لم يراعي في تحرير أو تبليغ العقد القواعد الجوهرية ، أي أن يكون العقد معيبا في موضوعه ، فالجزاء هو البطلان (2) .

   قانون الإجراءات المدنية القديم

نظرا لندرة و عدم دقة المواد التي خصصها قانون الإجراءات المدنية القديم الصادر في سنة 1966  لنظام البطلان ،فإن هذا النظام الذي كان صعب التطبيق كان يرتكز أساسا على مفهوم " النظام العام" الذي أقرته المادة 462 التي هذا نصها :" لا يجوز الدفع بالبطلان أو بعدم صحة الإجراءات من خصم يكون قد أودع مذكرته في الموضوع  و كذلك الشأن بالنسبة لعدم الإيداع أو عدم تقديم الكفالة المنصوص عنها في المادة 460 ؛و إذا طرأ البطلان أو عدم صحة الإجراءات بعد تقديم المذكرات في الموضوع ، فلا يجوز إبداء الدفع به إلا قبل أية مناقشة في موضوع الإجراء الذي تناوله البطلان ؛ و خلافا لما هو منصوص عليه في الفقرتين السابقتين يجوز إبداء الدفع الخاص بقواعد الاختصاص النوعي في أي وقت؛ و إذا كان البطلان أو عدم صحة الإجراءات المدفوع به ليس من النظام العام ، فيجوز للقاضي أن يمنح أجلا للخصوم لتصحيحه،  و يرجع أثر هذا التصحيح إلى تاريخ الإجراء المطعون فيه بالبطلان أو بعدم الصحة ".

 الفراغ الذي كان يعاني منه قانون الإجراءات المدنية القديم  جعل القضاء يتدخل بشكل واسع لتكريس قواعد التمييز بين البطلان لعيب في الشكل و البطلان لعيب في الموضوع.و عدم تطرق هذا القانون إلى الحالات التي يكون فيها الإجراء باطلا و الحالات التي يجوز فيها للقاضي تقدير ما إذا كان يجب إقرار البطلان أم لا ، نتج عنه تردد في الحلول القضائية.

  قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد

ساير محرري قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد الصادر في  سنة 2008  تطور القضاء في مسألة شروط بطلان أعمال الإجراءات و طبيعتها ، و تطرقوا لها  في المواد من 60 إلى  66. النظام الجديد الذي أقره المشرع  يميز بين البطلان من حيث الشكل و البطلان من حيث الموضوع.

   التمييز بين البطلان من حيث الشكل و البطلان من حيث الموضوع له آثار معتبرة على مستوى نطاق البطلان و نظامه القانوني.

   I - نطاق بطلان الأعمال الإجرائية

قاعدة لا بطلان بدون نص  : أسباب بطلان الأعمال الإجرائية تخضع لنظام مختلف حسبما كان العيب المحتج به هو عيب في الشكل أو عيب في الموضوع. ففي الحالة الأولى ، فإن المادة 60 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  تقر قاعدة " لا بطلان بدون نص " ، فيما أن هذه القاعدة تستبعد عندما يتعلق الأمر بالبطلان من حيث الموضوع.                                    

   1.- أسباب البطلان لعيب في الشكل

طبقا للمادة 60 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية : " لا يقرر بطلان الأعمال الإجرائية شكلا إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك ". و يمكن الإشارة على سبيل المثال بالنسبة لشكل الأعمال الإجرائية  لأحكام المواد 15، 18، 407، 540، و 565 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية المتعلقة بعريضة افتتاح الدعوى،و التكليف بالحضور، و محضر  التبليغ الرسمي ، و عريضة الاستئناف ، وعريضة الطعن بالنقض.

   يفترض في مثل هذا النظام أن كل إجراء يجب أن يكون متبوعا بنص صريح يقر بطلانه في حالة عدم احترام أشكاله، و إلا اعتبر البطلان كبطلان في الشكل فقط.ولكن الملاحظ أنه كثيرا ما ينص القانون على إجراء معين دون الإشارة إلى جزاء خرق الأشكال المقرر لهذا الإجراء ، و ذلك رغم أن البطلان يفرض نفسه بالنظر إلى طبيعة الإجراء المنصوص عليه،الذي قد يكون بدون شك إجراء جوهري بل حتى من النظام العام.قانون الإجراءات المدنية و الإدارية لم يتطرق إلى هذه الإشكالية،فهل يعني ذلك أن قاعدة المادة 60 التي تقر أنه لا بطلان بدون نص  تطبق حتى على حالات خرق  أشكال تحرير أو تبليغ الأعمال  التي تعتبر تقليديا كأنها أشكال جوهرية ؟

   في ظل  قانون الإجراءات المدنية القديم ،و بشأن أسباب البطلان لعيب في الشكل ،فإن قضاء المحكمة العليا لم يرتب البطلان إلا إذا كان الشكل المقرر جوهريا،وكانت مخالفته مضرة بحقوق الدفاع.اعتبرت المحكمة العليا مثلا أن تأخير حرف أو تسبيقه عند كتابة اسم المنفذ عليه في محضر التكليف بالوفاء لا يترتب عليه بطلان هذا المحضر  في غياب ضرر لحق المنفذ عليه ( 3)، وأن عدم احتواء محضر التكليف بالوفاء الموطن المختار لطالب التنفيذ لا يعرضه للبطلان ما دام البطلان الإجرائي نسبي و ليس مطلقا و أن الطرف المتمسك بهذا البطلان لم يثبت تضرره من إغفال هذا الإجراء  (4)،و أن إغفال تحديد تاريخ النطق بالقرار لا يمس بحقوق الدفاع ومن ثمة لا يترتب عليه البطلان (5) ،و أن خلو محضر التبليغ من ذكر الممثل القانوني أو الاتفاقي للشخص المعنوي لا يترتب عليه البطلان طالما  ثبت تبليغه بوضع الختم المقرر عليه (6) ،  و أن خلو القرار من تحديد تاريخ النطق به بعد وضع القضية في المداولة  عند نهاية المرافعات ليس إجراءا جوهريا فلا يترتب عليه البطلان ما دام لم يثبت الضرر( 7) ، و أن عدم الإشارة في القرار إلى إيداع التقرير المكتوب بأمانة الضبط قبل جلسة المرافعات لا يشكل سببا للنقض كون المشرع لم يرتب أي جزاء على عدم ذكر هذا البيان سيما إذا انتفى الضرر (8 ) ، و أن  إغفال ذكر العنوان المهني للمحامي  في الحكم  لم يرتب عليه المشرع أي جزاء ( 9)، كما أن عدم تبليغ عريضة الطعن بالنقض أو مذكرة الرد في ٱجالها هو إجراء غير جوهري وغير مضر بالطرف الٱخر(10) .

   رغم أن المحكمة العليا حاولت توضيح مفهوم " الإجراء الجوهري"، فإن هذا المفهوم بقي مبهما.أما محرري قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  فإنهم أغفلوا هم كذلك هذا الجانب من الإجراءات ، إذ من جهة لم يقدموا تعريفا دقيقا للإجراء الجوهري أو للإجراء من النظام العام ، و من جهة أخرى لم يتطرقوا إلى آثار مخالفة الأشكال الجوهرية في تحرير و تبليغ الأعمال الإجرائية.لذلك فإن القواعد التي كرستها المحكمة العليا تبقى قائمة.و أما الفقه فإنه يعرف الإجراء الجوهري بأنه ذلك الإجراء الذي يعطي للسند أو للعمل الإجرائي طبيعته و ميزاته ووجوده القانوني.

   2.- أسباب البطلان لعيب متصل بالموضوع

حالات بطلان العقود غير القضائية و الإجراءات من حيث موضوعها حددت على سبيل الحصر في المادة 64 من قانون الإجراءات المدنية ، و هذه الحالات هي :

- انعدام الأهلية في الخصوم.ويتعلق الأمر هنا بانعدام أهلية التقاضي.قد يقع هنا خلط بين الدفع بالبطلان لانعدام الأهلية و الدفع بعدم القبول لنفس السبب.

- انعدام الأهلية أو التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي.

   المادة 64 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  تنص أن الحالتين المذكورتين سلفا محددتين على سبيل الحصر، فهل يعني ذلك أن المشرع منع الحكم بالبطلان خارج هتين الحالتين؟ النص الصريح للمادة 64 يوحي بذلك ،و لكن ما هو مـﺁل مثلا العقد غير القضائي الذي حرره شخص غير المحضر القضائي أو حرره محضر قضائي خارج دائرة اختصاصه؟هل أن هذا العقد يعتبر عقدا باطلا لعيب في الموضوع ، أم أنه عقدا باطلا لعيب في الشكل فقط كونه لا يدخل في الحالتين المنصوص عليهما في المادة 64 ؟ نفس السؤال يطرح بالنسبة للقواعد التي تحكم ﺁجال طرق الطعن كعدم قبول الاستئناف لفوات أجل رفعه. لا شك أن كلا الإجرائين مشوبان بالبطلان لعيب في الموضوع ، و لكن المشرع فضل إدراج هتين الحالتين لا  في خانة الدفع بالبطلان و لكن في خانة الدفع بعدم القبول (م.67 ق.إ.م.إ.). في الواقع فإن التمييز بين الدفع بالبطلان و الدفع بعدم القبول ليس له أي أثر عملي كون النظامين القانونيين متشابهين. و يشكل كذلك في نظرنا بطلانا من حيث الموضوع كل مخالفة للمبادئ الأساسية للتقاضي لا سيما مبدأ الوجاهية و حق الدفاع.

   في ظل قانون الإجراءات المدنية  القديم استقر قضاء المحكمة العليا على أنه يشكل عيب في الموضوع كل مخالفة للأشكال الجوهرية ، أو كذلك إذا تعلق الأمر بخرق إجراءات اعتبرها المشرع من النظام العام ، واشترط فقط أن لا تكون هذه الإجراءات قد وضعت خصيصا لمصلحة الخصوم (11) ،و لكن النصوص الجديدة لقانون الإجراءات المدنية  و الإدارية  لا سيما المادة 60 التي أقرت قاعدة لا بطلان بدون نص ، و المادة 64 التي حددت حصريا حالات البطلان تجعلنا نتساءل عن جدوى توسيع حالات البطلان خارج إطار المادة 64.

II - نظام البطلان   

قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  ميز بدقة شروط البطلان (1) و إجراءات الدفع بالبطلان (2).

   1- شروط البطلان

إذا كان سبب البطلان يرتكز على عيب في الشكل، يجب على من يتمسك به أن يثبت الضرر الذي لحقه (م.60 ق.إ.م..إ.).وهذا الشرط غير ملزم إذا تعلق الأمر بالعيوب من حيث الموضوع. و لكن كلا النوعين من البطلان يشتركان في كونهما لا يقضى بهما إذا زال سبب البطلان بإجراء لاحق أثناء سير الخصومة (م.66 ق.إ.م.إ.).

 

   1-1- قاعدة لا بطلان بدون ضرر

لم يتضمن قانون الإجراءات المدنية القديم نصا صريحا بخصوص قاعدة " لا بطلان بدون ضرر " ، و اكتفت المادة 462 القديمة بالنص على أنه :"  إذا كان البطلان أو عدم صحة الإجراءات المدفوع به ليس من النظام العام فيجوز للقاضي أن يمنح أجلا للخصوم لتصحيحه و يرجع أثر هذا التصحيح إلى تاريخ الإجراء المطعون فيه بالبطلان أو بعدم الصحة ".  و لكن و رغم الفراغ القانوني ، فإن المحكمة العليا كرست قاعدة " لا بطلان بدون ضرر" ، إذ قضت في  عدة قرارات أنه إذا لحق إجراء من الإجراءات ضررا للخصم أو لحقوق الدفاع،  فإنه يبطل حتى و إن كان العيب المتصل بهذا الإجراء هو عيب في الشكل فقط ، و بالعكس إذا  لم يلحق هذا الإجراء ضررا للخصم فلا يقضي بالبطلان (12) .

   قانون الإجراءات المدنية و الإدارية كرس في هذا المجال قضاء المحكمة العليا إذ أن المادة  60 أقرت صراحة مبدأ " لا بطلان بدون ضرر" إذ نصت أنه : " لا يقرر بطلان الأعمال الإجرائية شكلا،إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك  و على من يتمسك به أن يثبت الضرر الذي لحقه " ( 13 ).

1-1-1- القاعدة تطبق على العيوب في الشكل و  لا تطبق على العيوب المتصلة بالموضوع

حتى يقبل الدفع ببطلان الأعمال الإجرائية شكلا ، يجب على من يتمسك به   أن يثبت الضرر الذي سببه له العمل الإجرائي المطعون فيه.هل يجب إثبات الضرر إذا كان الإجراء المشوب بالبطلان هو إجراء جوهري أو من النظام العام؟المادة 60 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تشير إلى الأعمال الإجرائية شكلا دون تمييز ، و من ثمة فإنه يجب إثبات الضرر لقبول الدفع بالبطلان  في الشكل، حتى إذا كان الإجراء الذي تم خرقه هو إجراء جوهري أو من النظام العام.وجود الضرر من عدمه يدخل في السلطة التقديرية للقاضي (14).و قدمت المحكمة العليا صور عديدة عن الأعمال الإجرائية  التي لا يرتب البطلان على خرقها في غياب عنصر الضرر الذي لحق من تمسك بهذا البطلان. فمثلا قضت  أن مخافة الإجراء المنصوص عليه في المادة 260 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تلزم تبليغ النيابة العامة بالقضايا التي تكون فيها الدولة أو إحدى المؤسسات الإقليمية طرفا فيها لا يترتب عليه البطلان  ما دام المتمسك به لم يثبت الضرر الذي يكون قد لحقه جراء مخالفة هذا الإجراء ( 15) ، و  أن خلو القرار من تحديد تاريخ النطق به بعد وضع القضية في المداولة لا يؤدي إلى النقض ما دام لا يوجد نص صريح يقضي بالبطلان في حالة إغفال هذا الإجراء و في غياب الضرر ( 16) ،  و أن عدم إيداع المستشار المقرر للمجلس القضائي تقريره المكتوب بأمانة الضبط ثمانية أيام على الأقل قبل جلسة المرافعات طبقا للمادة 546 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية لا يترتب عليه البطلان ما دام من تمسك به لم يثبت الضرر الذي يكون قد لحق به جراء إغفال هذا الإجراء (17 ) ، و أن خلو محضر التبليغ ذكر الممثل القانوني أو الإتفاثي للمبلغ له لا يبطل هذا المحضر كون تخلف هذا البيان لا يضر بمن تمسك به  ما دام أنه قد بلغ و تسلم محضر التبليغ و وضع ختم المؤسسة (18 )،  و أنه و إن كانت المادة 613 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تنص على البيانات التي يجب أن يتضمنها محضر التكليف بالوفاء و إن كانت هذه البيانات وجوبية ، فإنه يتعين على القاضي في حالة طلب بطلان التكليف بالوفاء أن يتحرى في الضرر الذي يكون قد لحق المنفذ عليه  و مدى المساس بحقوق المنفذ عليه ( 19).

أخذت المحكمة العليا بنظرية تكافؤ البيانات في مجال بطلان الإجراءات لعيب في الشكل،وتبعا لذلك فإنها رفضت البطلان المؤسس على إغفال بيان من البيانات المنصوص عليها قانونا إذا أمكن استنتاج هذا البيان من البيانات الأخرى التي يتضمنها السند (20).ولكن إذا أوقع هذا الخرق مساسا بحقوق الدفاع ، فإن المحكمة العليا أقرت بطلان الإجراء (21).

    نص قانون الإجراءات المدنية و الإدارية صراحة على قاعدة تكافؤ البيانات في الباب المتعلق بالأحكام إذ نصت المادة 283  أنه: " لا يترتب على إغفال أو عدم صحة أحد البيانات المقررة لصحة الحكم بطلانه،إذا ثبت من وثائق ملف القضية أو من سجل الجلسات أنه تم فعلا مراعاة القواعد القانونية ".تطبيقات المادة 60 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تستلزم إثبات الضرر لإبطال الأعمال الإجرائية شكلا  سيجعل اللجوء إلى نظرية تكافؤ البيانات عديم الفائدة في أغلب الحالات.

و  إما الدفع ببطلان عقد غير قضائي أو إجراء بسبب عيب في الموضوع فإنه يكون مقبولا دون اشتراط وقوع ضررا للخصم. 

  1-1-2- صعوبات التمييز بين العيب من حيث الشكل و العيب من حيث الموضوع

التمييز بين العيب من حيث الشكل و العيب من حيث الموضوع  ، لا سيما على مستوى توفر شرط الضرر من عدمه ، قد يثير إشكالات عديدة. و بالفعل إنه من الصعب التمييز بين البطلان من حيث الشكل والبطلان من حيث الموضوع ، و من ثمة فمن السهل الانتقال من بطلان إلى ٱخر ، و إعادة تكييف عيب من حيث الموضوع إلى عيب من حيث الشكل.إمكانية إعادة التكييف هذه قد يشجع الجهات القضائية إلى الميل بصفة مفرطة نحو تكييف عيوب في الموضوع على أنها عيوب في الشكل تستلزم قيام الضرر لتصبح باطلة ، و ذلك بغرض تجنب أسباب البطلان.

  1-1-3-موقف القضاء من بطلان الإجراءات

قضاء المحكمة العليا حول مسألة التمييز بين أسباب البطلان لعيب في الموضوع و لعيب في الشكل يواكب و يتماشى مع النصوص الجديدة  لقانون الإجراءات المدنية و الإدارية من حيث أنه من جهة ، ميز بين العيب في الشكل و العيب في الموضوع ، و من جهة أخرى ألزم توفر شرط الضرر لإقرار البطلان لعيب في الشكل.

   و قد استقر قضاء المحكمة العليا على ترتيب البطلان على كل إجراء يشوبه عيب في الموضوع.فالأعمال التي يباشرها فاقد الأهلية هي أعمال باطلة وحتى الأعمال السابقة لقرار الحجر تبطل إذا أعيبت بالتدليس أو سوء النية(22). ونفس الجزاء يترتب على الأعمال باسم الموكل دون توكيل ، أو على الطعن المرفوع ممن ليس له الصفة ( 23).وأما مخالفة المواعيد المحددة قانونا فيترتب عليها السقوط (24).

اعتبرت المحكمة العليا من المسائل الجوهرية بعض الإجراءات رغم أن القانون لم يرتب صراحة على مخالفتها البطلان. فمثلا  قضت المحكمة العليا أن عريضة افتتاح الدعوى التي لا تتضمن أسماء و صفات الأطراف على غرار العريضة التي تشير إلى المدعين باسم " فريق ورثة " دون تحديد هويتهم كاملة تكون باطلة لخرقها إجراء جوهري( 25) ،  و أن محضر تبليغ حكم المحرر من قبل المحضر القضائي يكون باطلا إذا لم يرفق بنسخة من الحكم ، ومن ثمة لا يسرى به أجل الاستئناف (26)، و أنه يجب أن يرفع الاستئناف ضد من كانوا خصوما في الدرجة الأولى (27)، وأنه يجب ألا  يتضمن الوجه المتمسك به في  عريضة الطعن بالنقض إلا حالة واحدة من حالات الطعن بالنقض و ذلك تحت طائلة عدم قبول الوجه المثار ( 28) ، و أنه يتعين  على المطعون ضده أن يبلغ مذكرة الرد إلى وكيل الطاعن و ذلك تحت طائلة عم قبول هذه المذكرة (29)، وأنه يجب في كل القرارات ، تحت طائلة البطلان ، النص على أن المستشار المقرر قد تلا تقريره الشفهي (30)، و أن طلب اعتراض الغير الخارج عن الخصومة يكون باطلا إذا كان غير مصحوبا بإيداع الكفالة (31).

1-2-  تصحيح الإجراءات

إذا تم تصحيح الإجراء المشوب بالبطلان ، و لم يبقى أي ضرر قائم بعد التصحيح ، فإنه لا يقضي بالبطلان ، و عندئذ فإن أثر هذا التصحيح يسري من تاريخ  الإجراء المشوب بالبطلان (م. 62 ق.إ.م.إ.).

المادة 64 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  حددت حالات بطلان العقود غير القضائية  و الإجراءات من حيث الشكل و هي حالتين : الأولى تتعلق بانعدام الأهلية  للخصوم و الثانية تتعلق بانعدام الأهلية  أو التفويض لممثل الشخص  الطبيعي أو المعنوي. المادة  65 من نفس القانون تنص من جهتها  أنه : " يثير القاضي تلقائيا انعدام الأهلية ، و يجوز له  أن يثير تلقائيا انعدام التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي". هل يجوز تصحيح هذا النوع من العيوب؟

على ضوء النصوص القانونية الواردة في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية و على ضوء قضاء المحكمة العليا  لا سيما قراراتها الصادرة في ظل هذا القانون فإنه يمكن تلخيص إشكالية بطلان الإجراءات و خضوعها للتصحيح  فيما يلي:

لو تم التركيز على القراءة الحرفية و الظاهرية  للنصوص التي تحكم بطلان الأعمال الإجرائية من حيث الشكل، فإن القاعدة الواردة في المادة 60 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية هو أن لا يقرر بالبطلان إلا إذا نص القانون  صراحة على ذلك . فلو طبق هذا النص حرفيا فلا يقضي ببطلان عمل من الأعمال الإجرائية شكلا إلا إذا وجد  نصا صريحا يسمح بذلك و لو تعلق الأمر بإجراء جوهري أو من النظام العام.

هذا الحل الذي أقره المشرع هو بدون شك حل غير منطقي يتعارض مع كل نظريات بطلان الأعمال الإجرائية المعمول بها في التشريعات المقارنة.فهل يعقل أن لا يخضع لأي جزاء خرق شكل من شأنه نزع للعمل الإجرائي جوهره و  حتى وجوده القانوني ، على غرار مثلا عدم إيقاع  أي جزاء على عريضة افتتاح الدعوى التي لا تتضمن الموطن الحقيقي للمدعي و التي تكتفي بالإشارة إلى أنه يختار موطنه بمكتب المحامي  فيما أن هذا البيان  ضروري للحصول على تنفيذ الحكم الذي قد يصدر ضده و لا يمكن تنفيذ في أي حال بمكتب المحامي الذي اختاره ، و ذالك بحجة انه لا يوجد نص صريح يقضي بالبطلان؟ و نفس الشيء بالنسبة لتبليغ بعض الأعمال الإجرائية لا سيما تبليغ الأحكام لشخص استحال للمحضر القضائي مقابلته. المشرع نظم إجراءات خاصة في هذه الحالة إذ لا يجوز للمحضر القضائي اللجوء إلى إرسال العقد الغير القضائي للمبلغ له عن طريق رسالة مضمنة مع الإشعار بالاستلام إلا بعد تنفيذ هذه الإجراءات الأولية .لا يتصور أن عدم احترام المحضر القضائي لهذه الإجراءات لا يعاقب عليها بالبطلان بحجة عدم وجود نص صريح يقضي بذلك.

من جهة أخرى فإن نية المشرع في  عدم ترك الأعمال الإجرائية المشوبة بعيب خطير بدون أي جزاء  في حالة عدم وجود نص صريح  يجد ما يدعمها في المادة 358 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي نصت أن مخالفة قاعدة جوهرية في الإجراءات هو وجه من أوجه الطعن بالنقض.المشرع إذا اعتبر صراحة أن الأعمال الإجرائية المتخذة خرقا للقواعد الجوهرية و بالتبعية خرقا للقواعد من النظام العام  يترتب عليها البطلان. كيف يفسر هذا التناقض بين المادة 64 و المادة 358؟ هذا التناقض لم يخفى على المحكمة العليا لا سيما على قضاة  القسم الخامس  اللذين حاولوا في قرار عالج هذا الإشكال إعطاء حلا قانونيا له. في قرار مؤرخ في 10 سبتمبر 2015  (32 ) فإن الغرفة الخامسة للمحكمة العليا و بعد تطرقها بإسهاب إلى أحكام المادتين 358 و 64 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية فإنها خلصت أن " هذين النصين متناقضين و من المستحيل  التوفيق بينهما فيجب استبعادهما من مجال العمل، و من ثمة يجب إخضاع المسألة  إلى القواعد العامة على اعتبار أن مقتضيات العمل الإجرائي الموضوعية متعددة و لا تنحصر في حالتين ". ارتكازا على هذا التحليل قضت المحكمة العليا مثلا  أن القاضي الذي سبق له الفصل في قرار مطعون فيه لا يجوز له الفصل في النزاع  بعد النقض و الإحالة  لعدم توفر فيه الصلاحية الخاصة  إذ ذلك يشكل خرق لقاعدة جوهرية في الإجراءات.

رغم أن القرار المؤرخ في 10 سبتمبر 2015  لم يصدر عن الغرف المجتمعة أو عن غرفة مختلطة بل صدر عن قسم من  غرفة  تابعة للمحكمة العليا ، فإن القضاء الذي كرسه و الذي مفاده أن الأعمال الإجرائية من حيث الشكل قد يشوبها البطلان حتى و لو لم ينص القانون على هذا البطلان صراحة في حالة مخالفة شكل جوهري أو من النظام العام ، هو قضاء مستقيم و لكن في نظرنا فإن التحليل الذي تأسس عليه هذا القضاء يكون قابلا للنقاش. لا نعتقد أن نية المشرع هي تقرير نظام متميز لبطلان الإجراءات من حيث الشكل و عدم إخضاع هذه الأعمال و الإجراءات المعيبة  لأي جزاء في غياب نص صريح يقضي بذلك. اعتقادنا أن المادة 60 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  التي تستلزم وجود نص صريح لإقرار البطلان تكون قد بترت منها الفقرة أو الجزء الذي يستثني من هذا الشرط حالة مخالفة شكل جوهري أو من النظام العام.ما يدعم هذا الطرح أن النصوص التي عالجت إشكالية البطلان أي المواد من 60 إلى 66 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية هي نفسها النصوص التي  يتضمنا قانون الإجراءات المدنية الفرنسي، فالمادة 64  هي  صورة طبق الأصل للمادة 114 من القانون الفرنسي مبتورة بجملة " باستثناء مخالفة شكل جوهري أو من النظام العام" الذي تضمنه هذا القانون. لا يوجد أي سبب فقهيا كان أم قضائيا  يفسر عدم إدراج هذه الجملة في المادة 64 خاصة و أن  قانون الإجراءات المدنية القديم لسنة 1966 كان يشير للبطلان من النظام العام  دون حصره في الحالات التي نص عليها القانون صراحة فأجازوا إثارتها في أي حالة كانت عليها الدعوى ( م.462).كذلك فإن قاعدة " لا بطلان بدون نص" لو طبقت حرفيا فإنه لا يمكن تصورها إلا في حالة ما نص المشرع على كل الافتراضات التي تستدعي إقرار البطلان و هذا ما سيؤدي  لمحالة إلى خلق نظام يحول دون إقرار البطلان على عيوب جد خطيرة بسبب عدم النص صراحة على هذا البطلان. هذا ما دفع بالقضاء الفرنسي في ظل قانون الإجراءات المدنية لسنة 1806 الذي كان يثير نفس الإشكالات في مجال بطلان الإجراءات إلى خلق نظرية الأشكال الجوهرية التي لا نعتقد أن المشرع الجزائري أراد العدول عنها.

سواء تعلق الأمر بالأعمال الإجرائية شكلا التي أقر القانون بطلانها بنص صريح أو تعلق الأمر بالأشكال الجوهرية أو من النظام العام التي تجازي مخالفتها كذلك بالبطلان، فإنه يجوز تصحيحها على شرط عدم بقاء أي ضرر قائم بعد التصحيح ( م.62 ق.إ.م.إ).حينئذ يمكن تصحيح الإجراء المشوب بالبطلان بتعويضه بالإجراء الصحيح كأن يتعلق الأمر مثلا بسهو عن الإشارة في العقد الغير القضائي أو في العمل الإجرائي  إلى بيان أقره القانون تحت طائلة البطلان .

بالنسبة لبطلان العقود القضائية أو الإجراءات من حيث موضوعها  و كما سبق شرحه فإنها حددت على سبيل الحصر في المادة 64 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية. كون يجوز للقاضي إثارة هذا البطلان تلقائيا ،هل  يمكن تصحيحه كما هو الشأن للأعمال الإجرائية من حيث الشكل؟ المقصود من هذا   النص هو انعدام أو تخلف أهلية التقاضي أو الاختصاص  و ليس أهلية الوجوب (ط. قم 311 ). انعدام أهلية الوجوب يترتب عليه في الواقع عدم القبول و ليس البطلان. قد يتعلق الأمر حينئذ  بعمل إجرائي قام به شخص فاقد الأهلية أو هيئة ليس لها الشخصية المعنوية  فنكون هنا أمام بطلان من حيث الموضوع. و قد يتعلق الأمر كذلك حسب نفس النص بانعدام أو تخلف الأهلية أو التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي  كمن يباشر الخصومة لحساب شخص طبيعي أو معنوي  دون إذن من هذا الأخير أو دون إذن من نص عليه القانون ( مثلا حالة الولي الذي يباشر الدعوى القضائية العقارية باسم القاصر دون استئذان القاضي)، أو  يتصرف كممثل دون أن يكون له تفويض لهذا للغرض. حالات البطلان هذه محددة على سبيل الحصر ما دام النص استعمل عبارة "  على سبيل الحصر".

هل يجوز تصحيح العقود غير القضائية و الإجراءات المشوبة بالبطلان من حيث الموضوع المنصوص عليها في المادة من 64 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ؟  المادة 66  من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تطبق على كل أنواع البطلان دون تمييز تنص أنه : " لا يقضي ببطلان إجراء من الإجراءات القابلة للتصحيح،إذا زال سبب ذلك البطلان بإجراء لاحق أثناء سير الخصومة " .النص يتكلم عن " الإجراءات القابلة للتصحيح " دون تبيان المعيار الذي يمكن بموجبه تحديد البطلان القابل للتصحيح ، مما يفهم منه أن المشرع منح القاضي سلطة تقدير إمكانية تغطية البطلان حسب الحالات ،و بالتبعية فإنه يجوز تصحيح الأعمال الإجرائية من حيث موضوعها إذا لم يتعدى العيب المتصل بالإجراء الباطل الحدود التي تدخله في خانة العدم أو البطلان المطلق كحالة انعدام أهلية الوجوب أو حالة العمل الإجرائي الذي باشره شخص ليس له سلطة التمثيل. 

   يمكن تصحيح الإجراء المشوب بالبطلان إلى غاية صدور الحكم.ولكن هل يجوز تصحيح إجراء أثناء الاستئناف ، مثلا تصحيح عريضة افتتاح دعوى  مشوبة بالبطلان رغم صدور الحكم و لم يطرأ أي تصحيح في الدرجة الأولى ؟ قانون الإجراءات المدنية  و الإدارية  لم يعطي حلا للمسألة ، و لكن قضاء المحكمة العليا يوحي بأن الإجراء الباطل أو الغير الصحيح يمكن تصحيحه لا فقط  إلى وقت صدور الحكم ، بل حتى على مستوى الاستئناف . ففي أحد قراراتها فإن المحكمة العليا ساندت قضاء مجلس قضائي تطرق لموضوع الدعوى رغم بطلان التكليف بالحضور مسببة قضائها على أن بطلان التكليف بالحضور لم يؤثر على الحكم المستأنف (33).

 

   2-  إجراءات الدفع بالبطلان وأثاره

يخضع الدفع بالبطلان للقواعد العامة المطبقة على الدفوع ، ولكن وباعتبار أن أعمال الإجراءات تباشر وتبلغ طوال سير الخصومة ، فإن الدفع بالبطلان يخضع لبعض القواعد الخاصة  تتسم بالمرونة.

2-1 متى يجوز الدفع بالبطلان ؟

كما كان عليه الحال سابقا، يجب التمسك بالبطلان لعيب في الشكل بسرعة ، و إلا اعتبر الخصم كأنه تنازل عن إثارته. و حسب نص المادة 61 من قانون الإجراءات المدنية  و الإدارية: " يمكن إثارة الدفع ببطلان الأعمال الإجرائية شكلا خلال القيام بها،و لا يعتد بهذا الدفع إذا قدم من تمسك به دفاعا في الموضوع لاحقا للعمل الإجرائي المشوب بالبطلان دون إثارته". ولتفادي العوارض المتكررة ، فإن المادة 50 من قانون الإجراءات المدنية  و الإدارية  تنص على أنه :" يجب إثارة الدفوع الشكلية في آن واحد قبل إبداء أي دفاع في الموضوع،أو دفع بعدم القبول،و ذلك تحت طائلة عدم القبول". و بشأن العيوب المتصلة بعقود التبليغ الرسمي فإن المادة 407 من قانون الإجراءات المدنية  و الإدارية  تنص على أنه :" إذا لم يتضمن محضر التبليغ الرسمي البيانات المشار إليها أعلاه،يجوز للمطلوب تبليغه الدفع ببطلانه قبل إثارته لأي دفع أو دفاع ".

قلنا أن المادة 64 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية حددت على سبيل الحصر حالات بطلان العقود غير القضائية و الإجراءات من حيث موضوعها ، و هذه الحالات هي انعدام الأهلية في الخصوم و انعدام الأهلية أو التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي. في هذه الحالات فإنه يجوز إثارة البطلان لا فقط في أية حالة كانت عليها الدعوى  و لو لأول  مرة أمام المحكمة  العليا ، ولكن كذلك تلقائيا من طرف القاضي.فطبقا للمادة 65 من قانون الإجراءات المدنية  و الإدارية  :"يثير القاضي تلقائيا انعدام الأهلية،و يجوز له أن يثير تلقائيا انعدام التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي".و نفس القاعدة تطبق كما رأينا على البطلان لمخافة الأشكال الجوهرية أو من النظام العام.

   2-2- ممن يقدم الدفع بالبطلان ؟

لا يجوز التمسك ببطلان الأعمال الإجرائية شكلا إلا لمن تقرر البطلان لصالحه (م. 63  ق.إ.م.إ.). و يجب علاوة على ذلك على من يتمسك بهذا البطلان أن يثبت الضرر الذي لحقه (م. 60 ق.إ.م.إ.) (34). وإذا كان عدم صحة العقد القضائي أو الإجراء مؤسس على بطلان من حيث الموضوع ، و يخص انعدام الأهلية  للخصوم أو انعدام الأهلية أو التفويض لممثل الشخص الطبيعي أو المعنوي أو مؤسس على  مخافة الأشكال الجوهرية أو من النظام العام ،  فإنه يجوز لأي طرف إثارة البطلان بل يمكن للقاضي حتى إثارته تلقائيا(م. 64 و 65 ق.إ.م.إ.).

2-3- ﺁثار البطلان

   مبدئيا فإن ﺁثار البطلان تقتصر على العمل الإجرائي المطعون فيه ، ولكن قد يمتد البطلان ليشمل كل الإجراءات المنجزة على أساس العقد الذي أبطل.وأحيانا قد يكون الجزاء الذي يترتب على البطلان أكثر خطورة إذ يؤدي إلى سقوط الحق ذاته.فإذا أبطل عقد الاستئناف مثلا، فإن أجل الاستئناف يكون غالبا قد انقضى.وبطلان التكليف بالحضور قد يترتب عليه تقادم الدعوى وكذا سقوط الحق.

بالنظر إلى كل ما سبق  شرحه  فإنه لا شك أن القضاء الذي يرتب البطلان  على عدم تأريخ عريضة افتتاح الدعوى أو عريض الاستئناف و اعتبار هذا البطلان  بأنه بطلان  من  النظام  العام يجب على القاضي إثارته تلقائيا هو قضاء غير  مستقيم  إذ أن  خلو  العريضة من التاريخ  لا يجعل منها عريضة باطلة في غياب نص صريح يقضي بذلك و كذا لعدم تضرر  الخصم من هذا الإغفال  ،هذا و أن  إجراء تأريخ العريضة ليس له في الواقع أي فائدة إجرائية خلافا مثلا للتاريخ الذي أوجبه القانون  بالنسبة لبعض  المحاضر التي يحررها المحضر القضائي كمحضر تبليغ  الأحكام كون  التاريخ هنا له فائدة إجرائية  من أن أجل  الطعن في هذه الأحكام يسري  من التاريخ المبين  في محضر التبليغ و إغفال التاريخ في هذه الحالة يترتب عليه بطلان هذا المحضر فلا تسري به آجل  الطعن  .و إما بالنسبة  لتاريخ  عريضة افتتاح الدعوى أو عريضة الاستئناف  فإن إغفاله ليس له أي أثر إجرائي لأنه ليس هو الذي يحدد تاريخ  رفع  الدعوى  أو تاريخ الاستئناف الذي تحتسب بموجبه  مختلف  الآجال  ( أجل سقوط الخصومة، أجل التقادم ،  أجل الطعن ...الخ)  و  لكن التاريخ الذي  له  هذه الآثار هو التاريخ الذي  يضعه لزوما أمين الضبط على العريضة  أثناء تسجيلها  و هذا عملا  بالمادة 16  من قانون الإجراءات المدنية و  الإدارية . و  قد نهجت  المحكمة العليا هذا المنهاج في ضوى  احكلم قانون  الاجراءات  المدنية القديم الني هي  نفسهما الأحكام المنصوص عليها في قانون الاجراءات المدنية و الإدارية الجديد  (35).

معنى  الرموز المستعملة في  المقال

  • م. م.ع.= مجلة المحكمة العليا
  • ن.ق.= نشرة القضاة
  • م.ق.=  المجلة القضائية
  • إ.ق. مجلة الاجتهاد القضائية
  • ق.إ.م.إ. =  قانون  الإجراءات المدنية و الإدارية
  •    Ch.dr.pr.= Chambre de droit  privé de la Cour  suprême

 

مثال: غ.م.1، 23 يونيو 2016 ، ملف رقم 1106589 ، م.م.ع.45.1.2016 = قرار صادر عن الغرفة المدنية الأولى  للمحكمة العليا مؤرخ في 23 يونيو 2016 ،  ملف  رقم 1106589  المنشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2016 العدد 1 صفحة 45.

المراجع

  •  يمكن الاطلاع على المضمون الكامل لقرارات المحكمة العليا المشار إليها  في المقال على موقع الانترنيت للمحكمة العليا http://www.coursupreme.dz  علامة " من قرارات المحكمة العليا" أو   علامة " منشورات -  تحميل مجلة المحكمة العليا " و يتم ذلك إما عن طريق إدخال رقم القرار و تاريخه  و إما بعد تحميل المجلة من  نفس الموقع و  الذهاب إلى رقم الصفحة من المجلة المبين في المرجع.

1-المادة 114 من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي .

2-المادة 117 من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي .

3-غ . م. 1، 19 مايو 2016 ، ملف رقم 1097725 ،م.م.ع.41.1.2016  ( لا  يحول  تأخير  حرف أو  تسبيقه  عند  كتابة اسم  المنفذ عليه   في  محضر  التكليف  بالوفاء  دون  التنفيذ ،و لا  يجعل  من  المنفذ  عليه  شخصا  مجهولا).

4-غ. م. 1، 23 يونيو 2016 ، ملف رقم 1106589 ، م.م.ع.45.1.2016(عدم احتواء محضر التكليف بالوفاء الموطن المختار لطالب التنفيذ لا يعرضه للبطلان).

5-غ . م. ، 12 مايو 1982، قرار رقم 24771، ن. ق . 1982 . 155 ( و  حيث  أشار القرار المنتقد إلى  القول بأنه "  بعد المرافعة وضعت القضية  في المداولة  "  دون  تحديد تاريخ النطق  بالقرار  إلا أن  هذا  تنظيم  داخلي لا يمس  بحقوق  الدفاع و من  ثمة فإن الوجه مرفوض).

6-غ.م.1، 22 مايو 2014،ملف رقم 933516 ،م.م.ع.211.1.2014(لا  يترتب  بطلان    محضر  التبليغ  في  حالة خلوه من ذكر الممثل  القانوني  أو الاتفاقي طالما ثبت تبليغه  بوضع  الخاتم المقرر عليه).

7-غ.ت.ب، 03 أبريل 2014،ملف رقم 887761 ،م.م.ع. 217.2.2014(و لئن جاءت المادة 553 من  قانون  الإجراءات  المدنية و  الإدارية بصيغة الوجوب بالنسبة للبيانات التي يجب أن  يتضمنها القرار لا سيما الإشارة إلى تاريخ النطق به فإن هذه المادة لم تضع أي جزاء على مخالفتها).

8-غ.م.2، 19 أبريل 2012 ، ملف رقم 777983 ،م.م.ع. 148.2.2012(إن عدم الإشارة  في القرار محل الطعن إلى إيداع  التقرير المكتوب بأمانة الضبط  قبل  جلسة المرافعات لا يشكل  سببا للنقض سيما و أن  الطاعن لم  يثبت الضرر الذي  لحقه  جراء هذا الإغفال).

9-غ.م.1، 18 سبتمبر 2014 ، ملف رقم 944773 ،م.م.ع.178.2.2014( لم يرتب المشرع جزاء البطلان على إغفال ذكر العنوان المهني للمحامي في القرار الصادر من المجلس القضائي) ؛ غ.م.3، 24 مايو 2012، ملف رقم 771895، م.م.ع.137.2.2013(إن القانون لا يرتب البطلان في حالة وقوع المخالفة إلا إذا نص القانون على ذلك صراحة و أثبت المتمسك به أنه لحق به ضر جراء هذه المخالفة  ،فعدم ذكر القرار المطعون فيه  العنوان المهني لمحامي الخصوم لم يلحق بالطاعن أي ضرر)؛  ؛ غ.ع.5، 12 يناير 2017، ملف رقم 1016128، م.م.ع.117.1.2017 ( إجراء بيان العنوان المهني للمحامي في القرار المطعون فيه  لا يعد من الأشكال الجوهرية  لعدم ترتيب المادة 553 قانون الإجراءات المدنية و الإدارية أي جزاء لإغفاله و لعدم تقرير أي بطلان بشأنه  طبقا لأحكام المادة  60 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ).

10-غ.ت.ب.1، 12 مارس 2015 ، ملف رقم 979743 ،م.م.ع.316.1.2015( لا جزاء على تبليغ عريضة الطعن بالنقض للمطعون ضده خارج  أجل الشهر  المقرر قانونا).

11-غ.م.، 8 مارس 1978، قرار رقم 12228، ن.ق.125.1980( إذا لم يعتبر المشرع إجراء معينا متعلقا بالنظام العام فليس من حق القضاة  أن  يثيروه من  تلقاء  أنفسهم و ذلك لأنه موضوع لمصلحة الخصوم الذين يحق لهم التنازل عنه).

12-غ.م. ،16 مار1983، قرار رقم 27427، إ.ق.36.1986 ( خلو القرار من ذكر أسماء المتدخلين في الخصومة لا يمس بحقوق الدفاع و من ثمة لا يرتب البطلان ).

13-غ.ت.ب.، 03 أكتوبر 2013 ، ملف رقم 864902، م.م.ع.178.2.2013 (المادة  60 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تبين صراحة أنه لا  يقرر البطلان للأعمال الإجرائية شكلا إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك  و على من يتمسك به أن يثبت الضرر الذي لحقه ".

14-القرار المؤرخ في 9 يونيو 1982 السالف الذكر.

15-غ.ت.ب.، 04 سبتمبر 2014، ملف رقم 972214، م.م.ع.243.2.2014.

16-غ.ت.ب.، 03 أبريل 2014، ملف رقم 887761، م.م.ع.217.2.2014.

17-غ.ع.1.، 13 يونيو 2013، ملف رقم 765605، م.م.ع.294.1.2013.

18-غ.م.1.، 22 مايو 2014، ملف رقم 933516، م.م.ع.211.1.2014.

19-غ.م.1.، 19 مايو 2016، ملف رقم 1097725، م.م.ع.41.1.2016.

20-  Ch.dr.pr. ,5  février  1969,B.M.1969 .3.23  (  Attendu  qu’il résulte  du  rapprochement  des  mentions  du jugement d’instance  et  de celles  de  l’arrêt  attaqué  que dame S.a  plaidé tant  en  son  nom  qu’en  sa  qualité  de  tutrice  légale de  ses  enfants  ,  qu’ainsi il ne  peut exister    aucune incertitude  sur l’identité ou  sur  la filiation  des  mineurs  représentés » ;

غ.ش.أ.م.،08  يونيو 2016،ملف  رقم 1037130،م.م.ع. 147.1.2016( المستأنفة طلبت  أجلا لتمكينها  من إيداع  مذكرة لاحقة   لتبرير  استئنافها و بالتالي  فإن  المذكرة اللاحقة تكمل  عريضة الاستئناف عملا بمبدأ تكافؤ  البيانات  و تكاملها).

21-غ . م ، 16 مارس 1983 ، قرار رقم 27427 ، إ. ق . 1986 . 36 (الوجه المأخوذ من عدم سماع المتدخلين في الخصومة غير مقبول كونه لا يمس بحقوق الدفاع).

22- Ch.dr.pr.,2  novembre  1966,A.J.1966-1967 .387(En matière d’interdiction pour  prodigalité,les actes  passés  par le prodigue, antérieurement  à  la  décision d’interdiction,n’encourt annulation  que lorsqu’ils sont  entachés de  fraude  ou de  mauvaise foi du  contractant et la  seule existence notoire  de  l’état de prodigalité au moment de la  conclusion de  l’acte  n’est pas  suffisante pour entrainer sa  nullité) ;

غ . ت . ب . 12 مارس 1983، قرار رقم 23713، إ. ق . 1986 . 165 (  يشترط  لصحة الإقرار أن  يكون المقر بالغا ، عاقلا و لا يقبل إقرار المجنون و  الصغير و  المكره و المحجور عليه).

23-غ.م. ، 17 مايو 1998 ملف رقم 167835،ب.إ.ق.ج.( لا صفة للأم  لرفع استئناف باسم  ابنها ما دام  الأب  ما  زال حيا و هو الولي عن ابنه).

24-غ.م.3،15  فبراير 2006،ملف رقم 326964،م.م.ع.233.1.2006  ( تسقط  الخصومة بمرور  سنتين  على  صدور  الحكم قبل  الفصل في  الموضوع).

25-غ . م.1 ، 03 أبريل 1985، ملف رقم 34899، م.ق.38.1.1990.

26-غ . م ، 14 أبريل 1982، قرار رقم 27437، ن. ق . 1982 . 183 ؛غ.إ.1، 07 مارس 2013 ،ملف رقم 725363، م.م.ع.231.2.213 (  لا يعد تبليغا صحيحا ، التبليغ الحاصل بمحضر تبليغ خال من النص على تسليم نسخة من القرار المطلوب تبليغه إلى المبلغ له )

27-غ . م. ، 30 مارس 1983، قرار رقم 30958، إ. ق. 1986. 21 .

28-غ.م.1، 21 يوليو 2016 ،ملف رقم 1061088، م.م.ع.72.2.216.

29-غ . ت.ب، 04 يوليو 2013 ، ملف رقم 882201 ، م.م.ع.196.2.2013

30-غ . ت . ب. ، 20 نوفمبر 1982 ، قرار رقم 26387 ، إ. ق. 1986 . 158 ؛ غ.إ.1، 05 نوفمبر 2015 ،ملف رقم 911801، م.م.ع.237.2.2015.

31-غ . م. ، 2، 9 يونيو 1982، قرار رقم 24573، ن. ق . 1982 . 147 (في هذه الحالة يتعلق الأمر بعدم القبول وليس بالبطلان).

32-غ.ع.5،10 سبتمبر 2015، ملف رقم 944059.م.م.ع.113.2.2015.

33-Ch.dr.pr.,25  septembre 1968,B.M.1969.1.1969 (La  constatation  de  la nullité d’une  assignation  n’exclut pas la possibilité pour  la cour  de  se  prononcer  sur la  validité  au  fond du jugement  qui a suivi cette assignation).

34-غ.ت.ب.،07 فبراير2007،ملف رقم391372،م.م.ع.351.1.2007 (على من ادعى بطلان عريضة افتتاح الدعوى أن يثبت الضرر الذي لحق به).

35-غ.ش.أ.،30  أبريل 1990 ، ملف رقم 59728،  م.ق.61.4.1992.

الأستاذ  براهيمي  محمد

محامي  لدى مجلس  قضاء البويرة

brahimimohamed54@gmail.com

 

Date de dernière mise à jour : 02/11/2020