الجديد في قضاء المحكمة العليا بكل غرفها

صدر مؤخرا عدد جديد لمجلة المحكمة العليا  " مجلة المحكمة العليا ". رغم أن هذه الطبعة الجديدة للمجلة عرضت للبيع خلال شهر جانفي 2020 فإن القرارات المنشورة فيها ترجع إلى سنه 2017. ما يجلب الانتباه في هذا العدد مثله مثل الأعداد السابقة هي العناية بالطابع  الشكلي.و مع ذلك فإن هذا العدد و للأسف لم يمدد ما كان معمول به في المجلة الصادرة في سنة 2015 العدد 02  أي الحرص على نشر مضمون القرار مرفق بالمبدأ القانوني وكذا ببطاقة  عن الوقائع و الإجراءات. لا شك أن الإشارة إلى الوقائع و الإجراءات بصفة مستقلة عن القرار نفسه من شأنه تمكين القارئ و متفحص القرار  من الإلمام الكامل لوقائع الدعوى منذ نشأتها أمام المحكمة الابتدائية.إلغاء بطاقة  سرد الوقائع و الإجراءات  و الرجوع إلى النظام القديم الذي يكتفي بعرض جد وجيز للوقائع و الإجراءات و في بعض الأحيان دون الإشارة إلى مضمون الحكم الذي تم تأييده أو إلغائه بموجب القرار محل الطعن بالنقض من شأنه جعل قرار المحكمة العليا صعب الفهم. الملاحظ كذلك أن العدد الجديد لا يشير إلى التشكيلة الكاملة الني فصلت في القضية و اكتفي بالإشارة إلى رئيس الغرفة أو القسم و  المستشار المقرر دون باقي المستشارين فيما أن الأكيد أن قوة القرار الصادر عن المحكمة العليا  تكمن كذلك في عدد قضاة المحكمة العليا اللذين شاركوا في اتخاذ هذا القرار.

تضمنت هذه المجلة  بعض القرارات  منها ما  كرست مبدأ قضائي سابق و منها ما كرس مبدأ قضائيا جديدا.سنعرض هذه القرارات حسب نوع الغرفة التي أصدرته.  

1- الغرفة المدنية

- الحراسة القضائية

في مجال الحراسة القضائية لا سيما الحراسة المأمور بها  لإدارة  مال شائع بين ورثة في إطار أحكام المادتين 603 و 604 من القانون المدني فإن المحكمة العليا ألزمت  تبيان  ما يلي عند الأمر بالحراسة القضائية ( قرار بتاريخ 18/05/2017 ، ملف رقم 1202645 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1- صفحة 35) :

 - الخطر العاجل الذي يهدد الورثة في حالة بقاء التركة في حيازة واضع اليد عليها

- وجود نزاع جدي حول قسمة التركة

- كيفية إدارة التركة و استغلالها و كيفية توزيع ريعها.

في قرار ثان  فإن المحكمة العليا قضت بأن الحراسة  القضائية هي حسب أحكام المادة 602 و ما يليها من القانون المدني إجراء تحفظي  وقتي يرمي إلى المحافظة على المال المعهودة للحارس القضائي و إدارته من طرفه دون التصرف فيه إلا برضا ذوي الشأن جميعا  أو بترخيص من القضاء. و تطبيقا لهدا المبدأ ففي حالة نزاع حول بناية ملك في الشيوع بين ورثة فإن الدعوى القضائية يجب أن ترفع لا من طرف الحارس القضائي الذي عين لإدارة هذه البناية و لكن من طرف الورثة أنفسهم مع إدخال الحارس القضائي في الخصام (قرار بتاريخ 22/06/2017 ، ملف رقم 1092149– مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 71.

الطعن بطريق اعتراض الغير الخارج عن الخصومة

اعتراض الغير الخارج عن الخصومة هو طريق غير عادي للطعن ، يجوز مباشرته من طرف كل شخص يكون قد لحقه ضررا سببه له حكم صادر في خصومة لم يكن طرفا فيها. وحسب عبارات المادة 380 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية: " يهدف اعتراض الغير الخارج عن الخصومة إلى مراجعة أو إلغاء الحكم أو القرار أو الأمر الاستعجالي الذي فصل في أصل النزاع ".

ثبتت  المحكمة العليا  قضائها القديم المتعلق بآثار الطعن عن طريق اعترضا الغير الخارج عن الخصومة إذ قضت بأنه : " متى قبل القاضي دعوى اعتراض الغير الخارج عن الخصومة ،وجب أن ينحصر قضاؤه  على إلغاء أو تعديل مقتضيات الحكم أو القرار المعترض ضده المضرة بالمعترض لا غير ، و يبقى الحكم أو القرار المعترض ضده محتفظا بآثاره على باقي الأطراف " ( قرار بتاريخ 22/06/2017 ، ملف رقم 113678– مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 40)

 هذا القضاء  المستوفي من أحكام المادة 387 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية  هو في الواقع تكريس للقاعدة التي مفادها أنه في حالة نجاح اعتراض الغير الخارج عن الخصومة، فإن الحكم يسحب أو يراجع، ولكن فقط بالنسبة للغير المعترض،   ولصالحه فحسب، وفي حدود الأضرار التي ألحقها له هذا الحكم و يبقى الحكم قائما برمته بين الأطراف.فنتيجة اعتراض الغير الخارج عن الخصومة، في حالة نجاحه، يجب أن تكون حماية حقوق الغير المعترض، وليس تعديل موقع من كان طرفا في الحكم والذي حكم عليه. و مع ذلك  فإن هذه القاعدة يطرأ عليها استثناء ورد في نص المادة 387 من  قانون الإجراءات المدنية و الإدارية و هي  حالة عدم قابلية موضوع الدعوى للتجزئة.

منح مهلة للمدين للوفاء بالدين

دققت المحكمة العليا  شروط  إفادة المدين بميعاد  لحلول أجل تسديد هذا الدين تطبيقا لأحكام المادة 210 من القانون المدني. حسب المحكمة العليا فإنه يجوز للقاضي في الديون المدنية  أن يمنح المدين السيئ الحظ و الحسن النية أجلا مناسبا  مراعاة في ذلك  موارد المدين الحالية و المستقبلية مع اشتراط عناية الرجل الحريص على الوفاء بالتزامه. و طبقا لهذا المبدأ فإذا كان المدين  معسرا  فإنه لا جدوى من منحه  المهلة التي يطالب بها للوفاء بالدين  إذ ينبغي أن يكون عنده  من المال ما يكفي لكي يوفي دينه و لكن ليس في مقدوره مؤقتا أن يتصرف في الأموال التي تحت يده ( قرار بتاريخ 19/01/2017 ، ملف رقم 1092413 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 35).

هذا القرار يثير في الواقع إشكال . بالرجوع إلى وقائع هذا القرار التي وردت بصفة جد موجزة فإنه يفهم أن قرار المجلس القضائي الذي عرض على المحكمة العليا إثر الطعن بالنقض  أيد الحكم المستأنف الذي قضى برفض الدعوى لعدم التأسيس. يفهم بصفة غير مباشرة أن حكم المحكمة لم يفصل في طلب  مقدم من طرف الدائن الرامي إلى إلزام خصمه المدين  بالوفاء بالدين و لكنه فصل في طلب مقدم من طرف المدين في مواجهة الدائن يرمي إلى منحه أجلا للوفاء بالدين. إن كلتا الحالتين مختلفتين من حيث المحل و السبب.

مسألة منح مهلة للمدين للوفاء بدينه تحكمها مادتين قانونيتين : المادة 210 من القانون المدني التي نحن بصددها و المادة 281 من نفس القانون التي تنص أنه : "  يجوز للقضاة نظرا لمركز المدين، ومراعاة للحالة الاقتصادية، أن يمنحوا آجالا ملائمة للظروف دون أن تتجاوز هذه المدة سنة وأن يوقفوا التنفيذ مع إبقاء جميع الأمور على حالها " .يفهم من مضمون المادة 281 أن الأمر يتعلق بمهلة الوفاء في حالة صيرورة  الالتزام نهائيا قابلا للتنفيذ فالدعوى في هذه الفرضية تخص طلب وقف تنفيذ الوفاء بالدين. و إما الحالة المنصوص عليها في المادة 210 فإنها تخص طلب منح أجلا لتسديد  الدين المحكوم به بموجب نفس الحكم القاضي بدفعه أو بموجب سند تنفيذي.الوقائع بالشكل التي وردت  في قرار المحكمة العليا لا تسمح  معرفة محل  الطلب الأصلي بالتدقيق للجزم في المسألة.

2- الغرفة العقارية

الأملاك الموضوعة تحت حماية الدولة

في قرار ملفت للانتباه ( قرار بتاريخ 09/02/2017، ملف رقم 1034095 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1- صفحة 98)  فإن المحكمة العليا فصلت في مسألة كانت محل منازعات كثيرة لا سيما أمام المحاكم الإدارية و مجلس الدولة و هي المسألة المتعلقة بأملاك الخواص التي وضعت تحت حماية  الدولة مباشرة بعد الاستقلال بموجب  المرسوم رقم 63-168 المؤرخ في 09/05/1963 . في الواقع فإن هذا المرسوم  كان يرمي إلى وضع أملاك الأشخاص اللذين كان لهم موقف معادي لثورة التحرير. في التسعينيات فإن مجلس الدولة و بعد أن كان سابقا يرفض الطعون بإلغاء قرارات الوضع تحت حماية  الدولة ، فإنه أصدر فيما بعد عدة قرارات تقضي باسترجاع هذا النوع من الأملاك التي وضعت تحت حماية الدولة لملاكها الأصليين  و كان هذا القضاء المتميز مرتكزا على بطلان القرارات الولائية المتضمنة الوضع تحت حماية الدولة و ذلك بحجة خلو هذه القرارات من التسبيب. فيما بعد فإن مجلس الدولة تراجع عن قضائه و رجع لقضائه القديم الرافض لإبطال قرارات الوضع تحت حماية الدولة.

في قرارها المؤرخ في 09/02/2017 فإن الغرفة العقارية للمحكمة العليا قضت بأنه بمجرد صدور القانون رقم 90-25  المؤرخ في 18/11/1990 المتضمن التوجيه العقاري فإنه تم إرجاع الأراضي  التي سبق وضعها تحت حماية الدولة لملاكها الأصليين بموجب المرسوم رقم 63-168.

وقائع القضية التي صدر فيها هذا القرار المتميز تتلخص في أن مالك عقار سبق وضعه  في سنة 1964 تحت حماية الدولة باع هذا العقار لشخص  بموجب عقد بيع مؤرخ في 05/02/2006  و بغرض إبطال هذا البيع رفعت دعوى أمام المحكمة العقارية مع إدخال في الخصام مدير أملاك الدولة . المحكمة رفضت طلب الإلغاء و إثر الاستئناف قضى    المجلس القضائي بتأييد الحكم المستأنف وبعد الطعن بالنقص في هذا القرار  أصدرت المحكمة العليا القرار المؤرخ في 09/02/2017 الذي قضى برفض الطعن .المدعي  في الطعن بالنقض دفع بأن عقد البيع هو عقد مشوب بالبطلان على أساس أن العقار المشمول بالبيع وضع تحت حماية الدولة بموجب قرار ولائي مؤرخ في 02/10/1964 فلا يجوز حينئذ التصرف في هذا العقار لاسيما أن هذا القرار الولائي لم يتم إبطاله.لرفض هذا الوجه المثار و تأييد قرار المجلس فإن المحكمة العليا قضت بأن القرار الولائي المؤرخ في 02/10/1964 ألغي بنص المادة 85 مكرر من القانون رقم 90-25 المتضمن التوجيه العقار و من ثمة فإن تصرف المالك فيما كان تحت حماية الدولة بموجب المرسوم رقم 63-168  يعد تصرفا صحيحا. من جهة أخري فإن المحكمة العليا وسعت شرحها للمسألة بقولها أن العقارات الموضوعة تحت حماية الدولة  لا تدخل ضمن أملاك الدولة  و أن التصرف في هذه الأملاك من طرف مالكها الأصلي جاء تطبيقا لنص المادة 85 مكرر 1 من قانون التوجيه العقاري.

يفهم من قرار المحكمة العليا المذكور أن القرارات الولائية التي   وضعت أملاك خواص  تحت حماية الدولة بموجب المرسوم رقم 63-168 هي قرارات ألغيت بقوة القانون أي بموجب المادة 85 مكرر من القانون رقم 90-25 و هذا القضاء قد يفتح الباب  للملاك الأصليين أو ذوي حقوقهم اللذين ما زالت أملاكهم تحت حماية الدولة للمطالبة بالاعتراف لهم  بصفة مالكي هذه العقارات . و مع ذلك فإن ما قضى به قرار  المحكمة العليا المؤرخ في  09/02/2017  قد لا يفيد مالكي الأموال و العقاريات التي ما زالت تحت حماية الدولة و تم تحويلها للدولة نهائيا لأنه أولا فإن القضاء الإداري ( المحكمة العليا أو مجلس الدولة) غير ملزمين بتطبيق هذا القضاء و ثانيا فإن القرار الولائي المتضمن الوضع تحت حماية الدولة يبقى له حجية و نفاذ ما دام لم يتم إبطاله فلو رفعت دعوى أمام هتين الهيئتين القضائيتين بغرض استرجاع هذه العقارات فليس من المؤكد أن تنهج هتين الهيئتين  قضاء المحكمة العليا.

الإدخال في الخصومة مباشرة أمام المجلس القضائي

 كما يجيز القانون إحـداث تغيير في موضوع الخصومة أثناء سيرها، فإنه
يجيز أيضا إحداث تغيير أطرافها. فيجوز رفع عدد أطراف الخصومة أثناء السير فيها عن طريق تدخل الغير عمدا أم جبرا. يميز بين التدخل الاختياري والإدخال في الخصومة أو ما يسمى كذلك بالإدخال الوجوبي . فالأول يتم بناء على طلب الغير أثناء سير الخصومة، فيصبح طرفا فيها بإرادته واختياره، وإما الثاني فيتم رغما عن إرادة الغير، الذي يصبح طرفا في الخصومة بناء على طلب أحد الخصوم الأصليين، أو بناء على أمر المحكمة أثناء السير فيها.

التدخل في الخصومة بنوعيه لا يثير إشكالا حينما يتم أمام محكمة الدرجة الأولى . و لكن أمام المجلس القضائي فإذا كانت المادة 338 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تجيز صراحة  تدخل شخص طوعا لأول مرة في الاستئناف  فقد يثار إشكال في حالة ما تعلق الأمر لا بالتدخل و لكن بإدخال شخص في الخصومة الاستئنافية فيما انه لم يكن طرفا في الدعوى الابتدائية.المادة 197 قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تنص أنه : " يكون التدخل في الخصومة في أول درجة أو في مرحلة الاستئناف اختياريا أو وجوبيا ". قد يفهم من هذا النص انه يجوز التدخل الوجوبي أي إدخال شخص  لم يكن طرفا في الدعوى الابتدائية أثناء النظر في الدعوى الاستئنافية.  المحكمة العليا  قضت خلاف ذلك إذ اعتبرت أن إدخال طرف  مباشرة في الخصومة الاستئنافية أي دون أن يكون طرفا في الدعوى أمام المحكمة الابتدائية يكون غير مقبول و سببت المحكمة العليا هذا القضاء بكون ذلك يشكل حرمان  المدخل في الخصام جبرا من درجة من درجات التقاضي و يشكل خرق لمبدأ التقاضي على درجتين ((قرار بتاريخ 09/02/2017، ملف رقم 1022612 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 122).

طبيعة الدعوى المرتكزة على شهادة الحيازة

كثيرا ما تطرح أمام المحاكم دعاوى تتعلق برد اعتداء على ملكية عقارية أو طلب حمايتها و تكون هذه الدعاوى مؤسسة على شهادة حيازة. و كما تشير إلى ذلك تسميتها فإن هذه الشهادة المحررة طبقا لأحكام المرسوم التنفيذي رقم 91-254 المؤرخ في 27/07/1991 المحدد لكيفيات إعداد شهادة الحيازة  تحرر من طرف رئيس البلدية على العقارات الغير الممسوحة و لفائدة حائزي هذه العقارات اللذين يثبتون حيازتهم الهادئة و المستمرة لمدة  سنة واحدة او أكثر.

طبقا للقواعد المعمول بها في دعاوى الحيازة  فإنه يجوز من جهة  للطرف المحكوم عليه  نهائيا في  دعوى الحيازة أن يرفع دعوى الملكية حول نفس العقار المشمول بالحكم الفاصل في الحيازة و من جهة أخرى فإنه لا يجوز في دعوى الحيازة  الجمع بين هذه الدعوى و دعوى الملكية بمعنى أنه لا يجوز إثارة دفوع تتعلق بالملكية أثناء النظر في دعوى الحيازة كالاحتجاج بسندات ملكية بل يجب البقاء في إطار أحكام الحيازة أي مناقشة شروط الحيازة الكل طبقا للمادتين 527 و 530 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية. تطرقت المحكمة العليا إلى هذه المسائل لا سيما إلى إشكالية تحديد نوع الدعوى التي ترفع على أساس شهادة الحيازة هل هي دعوى حيازة أم هي دعوى ملكية. حسب المحكمة العليا فإن هذه الدعوى هي دعوى ملكية و ليست دعوى حيازة (قرار بتاريخ 09/02/2017، ملف رقم 1022612 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 122)

هذا القضاء  قابل للنقاش لعدة أسباب.

اعتبار الدعوى المرتكزة على شهادة الحيازة كدعوى ملكية و ليس كدعوى حيازة يتناقض مع النصوص التي تحكم إجراءات إعداد شهادة الحيازة التي لا تفضي على المستفيد من هذه الشهادة صفة المالك الحقيقي.أولا فإن شهادة الحيازة تسلم حسب المادة 2 من  المرسوم التنفيذي رقم 91-254   لمن كان حائزا لعقار بحسن النية لمدة سنة فقط و  هذا ما يميز هذه الحيازة من الحيازة لمدة 15 سنة التي تمنح للحائز صفة المالك بالتقادم المكسب طبقا للمادة 827 من القانون المدني. اعتبار الدعوى المرتكزة على شهادة الحيازة كدعوى ملكية  قد يكون راجع للخلط بين دعوى الحيازة المرتكزة عل حيازة لمدة سنة و الدعوى المرتكزة على التقادم المكسب التي تعتبر سبب من أسباب اكتساب الملكية العقارية  التي تتطلب الحيازة لمدة 15 سنة. ثانيا فإن المادة 42 من القانون رقم  90-25 المؤرخ في 18/11/1990 المتضمن التوجيه العقاري تنص صراحة أن شهادة الحيازة اسمية لا يجوز بيعها و بعد وفاة صاحبها فإنها لا تنتقل لورثته تلقائيا بل يجب على هؤلاء طلب إعداد شهادة حيازة جديدة في أجل السنة  من تاريخ الوفاة و إلا اعتبرت هذه الشهادة ملغية و هذا دليل على أن شهادة الحيازة لا تمنح لصاحبها صفة المالك الحقيقي. كون شهادة الحيازة ليست سندا للملكية فإن المادة 43 من نفس القانون  منعت تحويل ملكية العقار المشمول بهذه الشهادة للغير بمقابل مالي أو بغير مقبل مالي. المادة 14 من المرسوم التنفيذي رقم 91-254  تنص أنه يجوز للحائز إثارة مدة الحيازة المشار إليها في الشهادة للاحتجاج بالتقادم المكسب ما يدل أن شهادة الحيازة تثبت فقط الحيازة  المؤقتة و لا تتحول إلى ملكية إلا بعد مضي مدة 15 سنة. أخيرا فإن المادة 12 من المرسوم التنفيذي رقم 91-254   تنص أنه في حالة الاحتجاج على صفة الحائز يتولى رئيس البلدية دعوة الأطراف إلى التقاضي لدى الجهة القضائية المختصة للفصل في النزاع.هذا النص الأخير يشير إلى " الاحتجاج على صفة الحائز" و هذه الدعوى إذا رفعت لا يمكن أن تكون سوى دعوى حيازة.

مضار الجوار

أن كان القانون يحمي الملكية العقارية  فإنه أخضع التصرف الحر في هذه الملكية  لبعض القيود.فطبقا للمادة 690 من القانون المدني : " يجب على المالك أن يراعي في استعمال حقه ما تقضي به التشريعات الجاري بها العمل و المتعلقة بالمصلحة العامة أو المصلحة الخاصة ". و إما المادة 691 من نفس القانون فإنها تنص انه : " يجب على المالك ألا يتعسف في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار ". تطبيقا لهذه القواعد فإن   المحكمة العليا قضت بأن الحصول على رخصة إدارية لا يمنع صاحبها من الالتزام بعدم الإضرار بجيرانه وفقا لما يقرره العرف و طبيعة العقار و موقعة ( قرار بتاريخ 02/01/2017، ملف رقم 1030535 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1). الحالة التي فصل فيها هذا القرار تخص شخص يستغل مخبزة ألحقت إزعاجا و مضارا بالجيران و إثر دعوى رفعها أحد الجيران بغرض إلزام صاحب المخبزة بإزالة هذا المضار فإن المجلس القضائي قضى برفض الدعوى بحجة أن صاحب المخبزة يحوز الرخص الإدارية التي تسمح له باستغلال هذه المخبزة.المحكمة العليا نقضت قرار المجلس القضائي  على أساس أن حيازة صاحب المخبزة لهذه الرخص الإدارية لا يؤثر على التزامات الجوار و كان حسب قضائها على المجلس القضائي التحقق من قيام الضرر و عند الضرورة الحكم بوقف نشاط المخبزة إن ثبت أن هذا النشاط يسبب ضررا للجار .

في قرار ثان ( قرار بتاريخ 09/02/2017، ملف رقم 1037556 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 136 ) فإن المحكمة العليا نهجت نفس القضاء  إذ اعتبرت أن ممارسة نشاط دهن و طلاء السيارات داخل مجمعات سكنية يعد مضارا للجوار و ذلك كون هذا النشاط يسبب أضرارا صحية لاحتواء مادة الدهن على مواد كمياوية  تلوث الهواء المستنشق  مما يؤثر على صحة السكان  المجاورين للمحل بالإضافة إلى الضجيج الناتج عن عملية تصليح أطر السيارات و تبعا لذلك فإن قرار المجلس القضاء القاضي بوقف هذا النشاط  هو قرار مطابق للقانون.

 في نفس السياق (قرار بتاريخ 12/01/2017 ملف رقم 1027082 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 139) فإن المحكمة العليا  كرست قضاء سابق مرتكز على نص المادة 709 من القانون المدني الذي مفاده أنه لا يجوز للجار أن يكون له على جاره مطل مواجه على مسافة تقل عن مترين  كما انه لا فرق في هذا المجال بين المطل المتعلق بسكن و المطل المتعلق بمحل.

3- الغرفة الاجتماعية

تسريح من العمل

قضت المحكمة العليا أن العامل الذي وظف كسائق شاحنة تابعة لمستخدمه و ارتكب حادث بواسطة  هذه الشاحنة لا يجوز تسريحه من العمل لهذا السبب حتى و لو لحقت بالمركبة أضرارا معتبرة جراء هذا الحادث و ذلك كون الحادث لم يكن عمديا (قرار بتاريخ 05/01/2017، ملف رقم 1079813 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 250) .

في قرار لاحق ثبتت المحكمة العليا قضائها القديم الذي مفاده أنه يستوجب التسريح من العمل  العامل المتغيب عن منصب عمله و لم يلتحق بمنصبه رغم الاعذارات الموجهة له  (قرار بتاريخ 02/02/2017، ملف رقم 1109857 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 254) .

في قرار آخر ملفت للانتباه (قرار بتاريخ 02/02/2017 ملف رقم 1131656 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 260) فإن المحكمة العليا قطعت الإشكال الذي كان قائما حول أثار المتابعة الجزائية على منصب العامل محل المتابعة  . كثيرا ما يلجأ المستخدم إلى تسريح العامل بحجة أنه تمت متابعته جزائيا . المحكمة العليا قضت بأن إيداع شكوى لدى وكيل الجمهورية من أجل اختلاس أموال عمومية لا يبرر قرار التسريح ما دام لم يصدر حكم جزائي نهائي بالإدانة. هذا القضاء يمدد  إلى حالة إيداع شكوى مصحوبة بادعاء مدني أمام قاضي التحقيق إذ في هذه الحالة كذاك لا يجوز تسريح العامل المشتكى منه إلا بعد صدور حكم نهائي بالإدانة. و المقصود من عبارة " حكم نهائي " هو الحكم الذي لم يصبح قابلا لأي طعن من طرق الطعن العادية أو الغير عادية.

 4- غرفة الجنح و المخالفات

  جنحة إصدار شيك بدون رصيد

استقر قضاء المحكمة العليا في مجال المتابعة القضائية بتهمة جنحة إصدار شيك بدون رصيد المنصوص عليها في المادة 374 من قانون العقوبات أنه لا تباشر الدعوى  الجزائية  إلا في حالة عدم قيام الساحب بتسوية عارض الدفع لعدم وجود أو عدم كفاية الرصيد  في الأجلين المحددين  في المادتين 526 مكرر 2 و 526 مكرر 4 من القانون الجاري مجتمعة.ارتكازا على هذا القضاء فإن الجهات القضائية الدنيا كانت تقضي بإبطال إجراءات المتابعة الجزائية في حالة عدم تقديم  الضحية المستفيد من الشيك لأمري التسوية الموجهين له من طرف البنك المسحوب عليه (  قرار بتاريخ 30/04/2008، ملف رقم 457708 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2008- عدد1-صفحة 373 ،  قرار بتاريخ 25/03/2010، ملف رقم 490987 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2010- عدد2-صفحة 349 -  قرار بتاريخ 23/02/2017، ملف رقم 1019993 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 355).

تراجعت  المحكمة العليا عن هذا القضاء إذ قضت مؤخرا بأنه  يكفي أن يوجه للساحب أمر بالتسوية فريد دون اشتراط توجيه أمر ثان بالتسوية كما قضت بأن تبليغ هذا الأمر للساحب غير ضروري لسريان أجل العشرة أيام الممنوحة له لتموين رصيده بكفاية في حسابه (قرار بتاريخ 23/02/2017، ملف رقم 1019993 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 355).

جرائم الصرف  

تطرقت المحكمة العليا إلى إجراءات تطبيق الأمر رقم 96-22  المعدل و المتمم بالأمر رقم 03-01  المتضمن قانون قمع مخالفة التشريع و التنظيم الخاصين بالصرف و حركة رؤؤس الأموال من و إلى الخارج. في قرار مؤرخ في 23/02/2017 فان  المحكمة العليا  ثبتت قضائها من أن التعليمات و المذكرات ذات الطابع الإداري الصادرة  عن بنك الجزائر هي تعليمات داخلية بينه و بين بقية البنوك و من ثمة فلا يجب أن تكون هذه التعليمات و المذكرات أساس للمتابعة و الإدانة الجزائية و ذلك متى ثبت أن الفعل المتابع به المتهم لا يعاقب عليه الأمر رقم 96-22 (قرار بتاريخ 23/02/2017، ملف رقم 625675 – مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 365)

تقليد علامة تجارية أجنبية   

عالجت المحكمة العليا مسألة نفاذ و تطبيق اتفاقية باريس المؤرخة في 20/03/1883 المتعلقة بحماية الملكية الصناعية في حالة تقليد علامة تجارية أجنبية. المحكمة العليا قضت بأن مجرد تسجيل علامة لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية  بناء على الاتفاقيات الدولية و التصديق عليها من طرف الدولة الجزائرية لا يمتد  تسجيل هذه العلامة إلى القطر الجزائري إلا بخضوع تسجيلها  وفقا للإجراءات المنصوص عليها في الأمر رقم 03-06 المؤرخ في 19/07/2003 المتعلق بالعلامات و هذا من قبل مالك هذه العلامة التجارية الدولية ، و إذا  لم يثبت هذا التسجيل لوطني للعلامة التجارية  بتاريخ الوقائع محل المتابعة الجزائية فإن صاحب العلامة  لا يستفيد من الحماية  المقرر قانونا بموجب هذا الأمر و من ثمة لا يجوز متابعة مواطن جزائري من اجل تقليد علامة تجارية دولية غير مسجلة في الجزائر (قرار بتاريخ 30/03/2017، ملف رقم 1153659– مجلة المحكمة العليا لسنة 2017- عدد1-صفحة 373).

الأستاذ براهيمي محمد

محامي لدى المجلس

 

 

Ajouter un commentaire

 

Date de dernière mise à jour : 04/03/2020