ككل الأحكام و القرارات الصادرة عن الجهات القضائية ، فإن قرار مجلس الدولة يتضمن ثلاثة أجزاء : التأشيرات Les visas ( وهو المصطلح المستعمل من قبل المحكمة الدستورية في قراراتها ) و الأسباب les motifs و المنطوق le dispositif.
تتضمن تأشيرات القرار فضلا عن الديباجة نفسها (تاريخ صدور القرار و رقم الملف و هوية الأطراف و صفاتهم و حضورهم أو غيابهم و أسماء المستشارين و اسم المستشار المقرر الذين شاركوا في المداولة و أصدروا القرار و اسم محافظ الدولة ) ، ادعاءات و طلبات و وسائل الأطراف ، و الإشارة إلى استيفاء بعض الأشكال الإجرائية و الإشارة إلى النصوص القانونية المطبقة. الهدف من التأشيرات هو عرض نطاق و حدود النزاع و تمكين بالخصوص الأطراف التحقق من أن القاضي ناقش و حلل جل طلباتهم و ووسائلهم تحليل صحيحا . تتضمن التأشيرات كذلك النصوص القانونية التي أسس عليها القاضي الإداري قراره.
الأسباب هي الجزء من القرار الذي يبين فيه القاضي مدلول القرار الذي أصدره، فالأسباب هي التي تمكن الأطراف من معرفة الحجج و الأسانيد الواقعية و القانونية التي بني عليها هذا القرار و سبب رفض أو قبول طلبات الخصوم . يجب أن تحرر الأسباب من جهة بشكل تسهل الرقابة على صحة القرار من قبل الجهة القضائية التي تعلو الجهة القضائية التي أصدرت الحكم أو القرار، و من جهة أخرى تمكين جماعة القضاة و الممارسين في حقل القانون ، بالخصوص إذا تعلق الأمر بقرار صادر عن قاضي الطعن ، من فهم و استيعاب المبدأ الذي كرسه هذا القرار بالنظر إلى وقائع النزاع . يجب إذا على المستشار المقرر المكلف بإعداد مشروع القرار الذي سيعرضه على تشكيلة الحكم أن يحرص على صرامة و وضوح و دقة الوقائع التي عرضها الأطراف على رقابة الجهات القضائية المتتالية و القواعد التي ارتكز عليها لاختاره الفصل في الطعن في اتجاه معين .
و أما منطوق القرار فإنه نتاج أسبابه ، و قد يتمثل في رفض الطعن بالنقض ،أو في النقض الكلي أو الجزئي للقرار المطعون فيه مع الإحالة أو دون إحالة ، أو كذلك في نقض القرار المطعون فيه مع الفصل في موضع النزاع في الحالات الاستثنائية التي يجيز فيها القانون مجلس الدولة الفصل في الطعن بالنقض كقاضي الموضوع ( م. 363 ، 365 و 959 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية).
بعض القرارات المنشورة في مجلة مجلس الدولة سلكت هيكل خاص لا سيما على مستوى التأشيرات إذ اقتصرت على الإشارة إلى منطوق القرار المطعون فيه وكذا منطوق الحكم المستأنف دون سرد وقائع الدعوى الأصلية و الإجراءات التي مرت بها ، و هذا ما يحول دون تشكيل نظرة كاملة و منسجمة عن نوع النزاع المفصول فيه.
تضمن العدد 20 من مجلة مجلس الدولة قرارات صدرت عن الغرف الأربع كل حسب نوع النزاع ( الصفقات العمومية و منازعات السكن و المحلات التابعة للدولة ؛ المنازعات الضريبية و البنكية و الوظيفة العمومي ؛ المنازعات المتعلقة بمسؤولية الإدارة ؛ المنازعات العقارية).
تطرق مجلس الدولة في قراره المؤرخ في 16 جانفي 2025 ملف رقم 1133 إلى مسألة كثيرا ما يواجهها الموظف الذي كان محل متابعة جزائية و الذي تقرر توقيفه عن العمل بصفة تحفظية ثم استفاد بالبراءة . الإشكال الذي كثيرا ما يطرح أمام القضاء الإداري في هذا المجال هو مدى أحقية هذا الموظف في التعويض عن الفترة التي كان فيها موقوفا عن العمل. هذه المسألة تثير كذلك إشكالات فرعية تنعكس سلبيا على وضعية الموظف و التي لم يتم في رأينا معالجتها معالجة عادلة و إنسانية من قبل المشرع الجزائري.
وضعية الموظف الذي كان محل متابعات جزائية لارتكابه جريمة عالجتها المادة 174 من الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية التي تنص على ما يلي : " يوقف فورا الموظف الذي كان محل متابعات جزائية لا تسمح ببقائه في منصبه ؛ و يمكن أن يستفيد خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر ابتداء من تاريخ التوقيف من الإبقاء على جزء من الراتب لا يتعدى النصف ؛ و يستمر الموظف في تقاضي مجمل المنح العائلية ؛ و في كل الأحوال لا تسوى وضعيته الإدارية إلا بعد أن يصبح الحكم المترتب على المتابعات الجزائية نهائيا " .
قرار توقيف الموظف الذي كان محل متابعات جزائية يخضع لتقدير السلطة التي لها صلاحية التعيين إذ أن إجراء التوقيف لا يتخذ بصفه آلية بمجرد علم السلطة التي لها صلاحية التعيين بهذه المتابعات الجزائية ، بل يتخذ بالنظر إلى خطورة الأفعال المنسوبة للموظف و مصلحة المرفق العام . خلافا للمادة 174 من الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15/07/2006 التي لم تدقق الحالات التي تحول دون بقاء الموظف في منصبه في حالة متابعات جزائيا ، فإن المادة 131 من المرسوم رقم 85-59 المؤرخ في 23 مارس 1985 المتضمن القانون الأساسي النموذجي لعمال المؤسسات و الإدارات العمومية الملغى بموجب الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15/07/2006 كانت أكثر دقة إذ تنص : " يوقف الموظف فورا إذا تعرض لمتابعات جزائية لا تسمح بإبقائه في العمل نظرا للطبيعة الخاصة التي تكتسيها المهام المسندة إلى المؤسسات و الإدارات العمومية و للعواقب التي تترتب عليها فيما يتعلق بواجبات العمال المعنيين المهنية " . يجب أن يتعلق الأمر بمتابعات جزائية إثر تحريك الدعوى العمومية لتطبيق العقوبة ، و هذه الدعوى العمومية قد تحرك إما عن طريق شكوى مصحوبة بادعاء مدني تقدمها الهيئة التي يشغل لديها الموظف أمام قاضي التحقيق ، وإما باستدعاء الموظف مباشرة أمام المحكمة الجزائية بمبادرة من هذه الهيئة ، و إما بإحالة الموظف أمام قاضي التحقيق بطلب من وكيل الجمهورية ( المواد 2 ، 69 و 474 من قانون الإجراءات الجزائية) . فلو تعلق الأمر بشكوى عادية قدمتها الهيئة المستخدمة ضد أحد موظفيها أمام وكيل الجمهورية و قام هذا الأخير بأمر الضبطية القضائية بفتح تحقيق ابتدائي حول الأفعال المنسوبة لهذا الموظف ، فإن هذه الإجراءات لا تحرك الدعوى العمومية ، و من ثمة لا يجب أن يترتب عليها توقيف الموظف عن العمل . قرار توقيف موظف بسبب المتابعات الجزائية يتخذ من قبل السلطة التي لها صلاحية التعيين و لا يستلزم أخذ رأي اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء المنعقدة كمجلس تأديبي ( المحكمة العليا ، الغرفة الإدارية ، 09 جانفي ، ملف رقم 23650 - المجلة القضائية لسنة 1989 ، عدد 1، ص.219).
المسألة التي فصل فيها قرار مجلس الدولة المؤرخ في 16 جانفي 2016 تتمثل في معرفة ما إذا كان الموظف الذي حركت ضده الدعوى العمومية و صدر في حقه حكم نهائي قضى ببراءته محق في طلب التعويض عن الفترة التي بقي فيها موقوفا عن العمل. يجب الملاحظة هنا أنه حتى في حالة صدور حكم نهائي يقضي ببراءة الموظف من الأفعال المنسوبة إليه ، فإن هذه البراءة لا يترتب عليها انقضاء و زوال الإجراءات التأديبية ، إذ يجوز للهيئة لمستخدمة حتى في هذه الحالة إحالة الموظف أمام لجنة التأديب و معاقبته إذا ثبت في حقه خطأ مهني ، و ذلك لأن الدعوى التأديبية منفصلة عن الدعوى الجزائية . هذه القاعدة كرسها مجلس الدولة في قرار مؤرخ في 14 جانفي 2007 ملف رقم 39009 ( مجلة مجلس الدولة لسنة 2009 ، رقم 09 ، ص. 61) ، إذ قضى أن الموظف بالمديرية العامة للأمن الوطني الذي صدر في حقه قرار يقضي ببراءته من تهمة الإغراء العلني قصد التحريض على الفسق ، يجوز متابعته أمام لجنة التأديب التي لها حق إصدار قرار بعزله من منصبه ، متى تبين من التحقيق التي قامت به مصالح الأمن أن هذا الموظف ارتكب أفعال تمس بأخلاقيات المهنة و آداب الشرطة و هي أفعال تشكل خطأ مهني جسيم يبرر العزل.
قاعدة عدم تقيد اللجنة المتساوية الأعضاء المنعقدة كمجلس تأديبي بالمتابعة الجزائية أو بالحكم الجزائي الصادر في حق الموظف المحال أمامها في حالة انفصال الدعوى العمومية عن الدعوى التأديبية ، تطبق كذلك في علاقات العمل في القطاع الخاص التي يحكمها القانون رقم 90-11 المؤرخ في 21 أبريل 1990 المعدل و المتمم. الاجتهاد القضائي للمحكمة العليا بالنسبة لهذه المسألة كان مترددا، إذ بعد أن ربطت المحكمة العليا العقوبة التأديبية بمصير الدعوى العمومية في حالة متابعة العامل جزائيا إذ قضت مثلا أن : " الخطأ المهني المؤدي إلى إنهاء علاقة العمل و الذي يشكل جريمة في القانون الجزائي لا يمكن اعتماده كسبب للتسريح ما لم يثبت وقوعه بحكم قضائي نهائي حائز لقوة الشيء المقضي فيه قبل تسريح العامل " ( قرار بتاريخ 17 جانفي2001 - ملف رقم 211629 - المجلة القضائية لسنة 2002 ، عدد 1 ، ص.173 ) ، و أن : " الأخطاء المنسوبة للعامل يعاقب عليها التشريع الجزائي و بالتالي لا تثبت إلا بحكم نهائي صادر عن الجهة القضائية المختصة " ( قرار بتاريخ 07 أكتوبر 2010 ، ملف رقم 615373 - مجلة المحكمة العليا لسنة 2011 ،عدد 1 ، ص. 183) ، فإنها تراجت عن هذا المبدأ الذي يناقض المبادئ العامة التي تخضع لها كل من الدعوى العمومية و الدعوى التأديبية ، فأخذت في قرارات لاحقة بمبدأ استقلال المسؤوليتين الجزائية و التأديبية فقضت مثلا أن : " الأصل هو استقلال المسئوليتين الجناية و التأديبية و أن الجهة التأديبية لا تتقيد كمبدأ عام في تكييفها للفعل التأديبي بقواعد و ضوابط قانون العقوبات ،و أنها تخضع بوصفها جهة تأديبية في تكييفها للخطأ التأديبي إلى النظام القانوني الخاص الذي يحكم علاقتها بالعامل سواء قانون العمل أو النظام الداخلي أو الاتفاقيات الجماعية ، و استثناء فقط حينما يكون الخطأ المهني لا يحمل إلا الوصف الجزائي طبقا لقانون العقوبات ، فلا يمكن حينها اعتماده كسبب للتسريح ما لم يثبت وقوعه بحكم جزائي حائز لقوة الشيء المقضي فيه "، و تبعا لهذا التسبيب قضت المحكمة العليا أن فعل المشاجرة و الضرب الذي ارتكبه العامل و الذي صنفه القانون رقم 90-11 كخطأ جسيم يبر قرار التسريح ( قرار بتاريخ 04 جويلية 2013 - ملف رقم 824177 - مجلة المحكمة العليا لسنة 2014 ،عدد خاص ، الجزء 1 ، ص. 380).
حسب وقائع قرار مجلس الدولة المؤرخ في 16 جانفي 2025 المستخلصة من أسبابه ، أصدر رئيس بلدية قرار بتوقيف موظف كان محل متابعات جزائية بتهمة اختلاس أموال عمومية ، و بعد إحالته على الجهة القضائية صدر في حق هذا الموظف قرار نهائي من مجلس القضاء مؤرخ في 18 نوفمبر 2011 قضى ببراءته ، و تطبيقا لقرار البراءة أعيد تنصيبه في منصب عمله الأصلي بتاريخ 23 نوفمبر 2019 ، و لكن دون تعويضه عن المدة التي كان فيها موقوفا عن العمل . رفع هذا الموظف دعوى أمام المحكمة الإدارية ضد البلدية ممثلة برئيسها طلب فيها تعويضه عن المدة التي بقي فيها موقوفا عن العمل. المحكمة الإدارية استجابت جزئيا لهذا الطلب إذ منحته فقط مقابل المنح العائلية دون إفادته بمخلفات رواتبه ، و إثر الاستئناف الذي رفعه الموظف أمام المحكمة الإدارية للاستئناف بقسنطينة أصدرت هذه الأخيرة قرارا مؤرخا في 14 نوفمبر 2023 قضى بتأييد الحكم المستأنف مبدئيا في الشق المتعلق بالمنح العائلية ، و تعديلا لهذا الحكم ألزمت البلدية كذلك بدفعها للمستأنف تعويضا عن الفترة التي كان موقوفا عن العمل. رفعت البلدية طعن بالنقض ضد هذا القرار الصادر عن المحكمة الإدارية للاستئناف بقسنطينة أسفر عن صدر قرار مجلس الدولة المؤرخ في 16 جانفي 2025.
قرار مجلس الدولة المؤرخ في 16 جانفي 2025 سيتخذ مكانة خاصة في هرم الاجتهاد القضائي لمجلس الدولة كون هذا القرار نشر في المجلة التي تصدرها هذه الجهة القضائية الإدارية العليا دوريا ، مما يفهم منه أن مجلس الدولة جعل المبدأ الذي كرسه هذا القرار مبدأ مستقرا حتى و لو لم يصدر عن الغرف المجتمعة أو الغرفة المختلطة. في الواقع فإن مجلس الدولة طبق قضائه السابق إذ سبق له أن قضى في قرار مؤرخ في 15 جوان 2004 ملف رقم 10847 أنه، و إن كان من حق الموظف الموقوف عن العمل بسبب متابعته جزائيا أن يطلب بعودته إلى منصب عمله ، فإنه بالعكس لا يحق له المطالبة برواتبه عن المدة لتي كان فيها محل متابعة جزائية ، كما قضى في قرر آخر مؤرخ في 11 أبريل 2013 ملف رقم 80704 أنه لا تتحمل الإدارة غير المتسببة في متابعة موظف مصرح ببراءته أي تعويض عن فترة التوقيف عن العمل. القاعدة التي كرسها مجلس الدولة قد يكون لها حسب رأينا انعكاسات جد سلبية على وضعية أ عوان و موظفي المؤسسات و الإدارات العمومية الذين كانوا محل متابعات جزائية انتهت بتبرئتهم من الأفعال المنسوبة لهم.
المبدأ الذي كرسه قرار مجلس الدولة المؤرخ في 16 جانفي 2025 ورد في هذه الصيغة : " الموظف العمومي لا يستحق تعويضا عن فترة التوقيف عن العمل متى كان محل متابعة جزائية و لو انتهت بالبراءة ما دامت الدعوى العمومية حركت من طرف النيابة العامة ". توضيحا لهذا المبدأ اعتبر مجلس الدولة أن : " البلدية التي أصدرت قرار توقيف الموظف الذي كان يعمل على مستواها ليست هي الجهة القائمة على المتابعة الجزائية و ليست هي المسئولة عن تحريك الدعوى العمومية ضد هذا الموظف، و أن تحريك الدعوى العمومية هي من صلاحيات النيابة العامة ، و أنه في حالة وجود متابعة قضائية و تبعها توقيف عن العمل ، و من باب أن تحريك الدعوى العمومية من صلاحيات النيابة العامة ، فإن صاحب المصلحة و في حال البراءة بحكم نهائي له الحق فقط في المطالبة بالتعويض عن الحبس غير المبرر أمام اللجنة المنعقدة على مستوى المحكمة العليا ، و لا يمكنه بالتالي مطالبة الجهة التي كان يعمل على مستواها بالتعويض و قابل الراتب و العلاوات عن فترة لم يمارس فيها مهامه فعليا " . تبعا لهذا التسبيب قضى مجلس الدولة بنقض قرار المحكمة الإدارية للاستئناف بقسنطينة المؤرخ في 14 نوفمبر 2023 مع إحالة الملف إلى نفس الجهة القضائية بتشكيلة مغايرة للفصل فيها من جديد. الملاحظ أن مجلس الدولة فصل في قراره المؤرخ في 16 جانفي 2025 في مسألة قانونية مفادها أن الموظف الذي تم توقيفه عن مهامه تحفظيا بسبب متابعته جزائية باشرتها النيابة العامة لا يستحق تعويض عن الفترة التي كلن فيها موقوفا عن العمل و لو استفاد بالبراءة ، و من ثمة فإن المحكمة الإدارية للاستئناف بقسنطينة التي ستنظر في هذه القضية من جديد إثر الإحالة لا يسع لها سوى إتباع و تطبيق ما قضى به هذا القرار أي رفض طلب التعويض عن فترة التوقيف عن العمل و هذا طبقا للمادتين 959 و 374-2 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي تنص على أنه يجب على جهة الإحالة أن تطبق قرار الإحالة فيما يتعلق بالمسائل القانونية التي فصل فيها مجلس الدولة.
في الدعوى التي صدر فيها القرار المؤرخ 16 جانفي 2025 فإن مجلس الدولة استبعد إمكانية تعويض الموظف الذي استفاد بالبراءة عن فترة توقيفه عن العمل لسببين : السبب الأول هو أن تحريك الدعوى العمومية ضد الموظف كان بمبادرة من وكيل الجمهورية و ليس بمبادرة من رئيس البلدية ، و أما السبب الثاني فمفاده أنه كان على الموظف لا مطالبة البلدية بالتعويض كونها ليست هي من حركت الدعوى العمومية و لكن كان عليه تقديم طلب التعويض أمام لجنة التعويض المنعقدة على مستوى المحكمة العليا. هذا التعليل في نظرنا غير منسجم و قابل للنقاش.
بالنسبة للجنة التعويض المنعقدة على مستوى المحكمة (حاليا المادة 219 و ما يليها من قانون الإجراءات الجزائية ) ، فإنها تختص فقط بالنظر في طلبات تعويض الأشخاص الذين كانوا محل حبس مؤقت غير مبرر في مؤسسة عقابية خلال متابعة جزائية انتهت بالبراءة . و لكن قد تقع حالة الموظف الذي تم توقيفه عن العمل و كان محل متابعة جزائية دون أن يكون محبوسا خلال فترة التوقيف عن العمل. في هذه الحالة إذا استفاد هذا الموظف بالبراءة فإنه لا يجوز له تقديم طلب بالتعويض أمام هذه اللجنة . من جهة أخرى فإن التعويض الذي يحكم به إثر الطلب المقدم أمام هذه اللجنة هوتعويض خاص يغطي الأضرار الناتجة عن الحبس الغير المبرر ، فهو مستحق لكل شخص تم حبسه مؤقتا بمؤسسة عقابية و استفاد بالبراءة حتى و لو لم يكن عاملا أو موظفا ، و أما النزاع الذي فصل فيه قرار مجلس الدولة المؤرخ في 16 جانفي 2025 فهو يخص تعويض مقابل فقدان الموظف لرواتبه و توابعها خلال فترة توقيفه عن العمل فلا علاقة بين التعويضين.
تبقى مسألة آثار تحريك الدعوى العمومية ضد الموظف الذي استفاد بالبراءة ، و كانت النيابة العامة هي من حركت هذه الدعوى العمومية. هل ذلك يجعل الموظف غير مؤسس في طلب تعويض عن عدم صرف مرتباته طوال فترة توقيفه عن العمل ؟ مجلس الدولة كما سبق عرضه قضى بعدم استحقاق الموظف لهذا التعويض ، و يجيزها فقط في حالة ما كانت الإدارة التي يعمل لديها الموظف هي التي حركت الدعوى العمومية عن طريق شكوى مصحوبة بادعاء مدني أو عن طريق الاستدعاء المباشر بمبادرة من الهيئة المستخدمة. هذا الاجتهاد الذي نهجه القرار المؤرخ في 16 جانفي 2025 هو في نظرنا اجتهاد أقل ما يقال عنه أنه يلحق أضرارا جسيمة بالموظف الذي ثبت بموجب قرار قضائي نهائي أنه بريء براءة تامة من الأفعال التي نسبت إليه، خاصة و أن فترة التوقيف عن العمل قد تطول دون أن يتقاضى رواتبه ، و هذه المدة قد تمتد لعدة سنوات كون بعض المؤسسات و الإدارات العمومية تعطي لمصطلح " الحكم النهائي " تفسيرا خاطئا ، إذ وقع أن رفضت إعادة تنصيب عمال أو موظفين في مناصب عملهم بعد استفادتهم بالبراءة بحجة أن القرار القضائي الذي قضى بالبراءة هو محل طعن بالنقض أمام المحكمة العليا ، فيما أن ما استقر عليه القضاء أنه و إن كان للطعن بالنقض أثر موقف بالنسبة لتنفيذ العقوبة ، فإن هذا الأثر ينعدم في حالة الحكم بالبراءة و من ثمة فإن الموظف الذي استفاد بحكم البراءة يكون محق بمطالبة إعادة إدماجه في منصب عمله بالرغم من الطعن بالنقض في هذا الحكم ( مجلس الدولة ، 08 ستمبر 2011 ، ملف رقم 67719 ، مجلة مجلس الدولة لسنة 2012 ، عدد 10 ص.101) . هذا التفسير الخاطئ لمفهوم " الحكم النهائي " من قبل بعض المؤسسات و الإدارات العمومية هو الذي دفع مديرية الوظيفة العمومية على إصدار تعليمة مؤرخة في 19 جانفي 2016 رقم 267 شرحت فيها آثار الطعن بالنقص على وضعية الموظف المستفيد بقرار البراءة ، إذ أكدت فيها أن هذا الطعن لا يحول دون إرجاع الموظف إلى منصب عمله بعد عرض ملفه على اللجنة المتساوية الأعضاء المنعقدة كمجلس تأديبي.
الملاحظ أنه في جل القضايا التي طرحت على القضاء الإداري ، فإن الإدارة المعنية ترفض بشكل منهجي دفع مخلفات رواتب الموظف الموقوف عن العمل في حالة استفادته بالبراءة ، و انحصر قرارها فقط في إرجاع هذا الموظف إلى منصب عمله، مع العلم أنه في حالة ما اعتبرت الإدارة أن متابعة الموظف جزائيا لا تسمح ببقائه في منصبه و قررت توقيفه في انتظار صدور حكم نهائي في هذه المتابعة الجزائية ، فإن هذا الموظف يبقى يستفيد فقط من جزء من راتبه لا يتعدى النصف و لمدة لا تتجاوز 6 أشهر ، و هذا طبقا للمادة 174 من الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 . يرجع طبعا للإدارة المستخدمة تحديد الجزء من الراتب الذي يبقي الموظف يتقاضاه خلال مدة التوقيف عن العمل ، كما يرجع لها تحديد المدة التي سيستفيد بها من هذا الجزء على ألا تتعدى هذه المدة 6 أشهر.
لا يظهر من أسباب القرار المؤرخ في 16 جانفي 2025 نوع التعويض الذي طلبه الموظف أمام قضاة الموضوع ، هل يتعلق الأمر بالمطالبة بالرواتب التي لم يتقاضاها خلال فترة توقيفه عن العمل ، أم يتعلق الأمر فقط بطلب تعويض عن الأضرار التي سببها له إجراء التوقيف عن العمل لا سيما الضرر المعنوي . معرفة نوع الضرر المطالب به له أهمية بمكان للبحث عن الجهة الملزمة بدفع هذا التعويض و كذا أساس هذا التعويض.
إذا كان الأمر يتعلق بطلب دفع الرواتب و توابعه التي لم يتقاضاها الموظف خلال فترة توقيفه عن العمل و هذا هو المرجح بالنظر إلى بيانات قرار مجلس الدولة محل التعليق، فإن هذا الطلب يكون في نظرنا مقبولا بقوة القانون كون المادة 173-3 من الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 تنص على أنه في حالة توقيف الموظف بسبب متابعات جزائية و تمت تبرئته من الأعمال المنسوبة إليه ، فإن الموظف يسترجع كامل حقوقه و الجزء الذي خصم من راتبه. من جهتها تنص المادة 131 من المرسوم رقم 85-59 المتضمن لقانون الأساسي النموذجي لعمال المؤسسات و الإدارات العمومية عن تسوية وضعية الموظف نهائيا بعد أن يصبح القرار القضائي القاضي بالبراءة نهائيا. في حالة إرجاع الموظف إلى منصب عمله بعد توقيفه ،و رفضت الإدارية التي ينتمي إليها إفادته بكامل رواتبه التي لم تدفع له خلال فترة التوقيف مع تسوية وضعيته المهنية ،فإن الدعوى التي يرفعها هذا الموظف تكون مؤسسة و الدعوى هنا ترفع طبعا ضد الهيئة التي اتخذت قرار التوقيف.
في حالة ما قررت السلطة التي لها صلاحية التعيين إرجاع الموظف إلى منصب عمله إثر تبرئته من الأفعال المنسوبة إليه بموجب حكم نهائي، و أفادته بكل رواتبه التي لم يتقاضاها خلال فترة توقيفه مع تسوية وضعيته المهنية ، هل يجوز لهذا الموظف المطالبة بتعويض عن الأضرار التي سببها له إجراء التوقيف عن العمل ؟ كما سبق شرحه فإن قرار مجلس الدولة المؤرخ في 16 جانفي 2025 لم يوضح ما إذا كانت الدعوى الأصلية تتعلق بدعوى التعويض عن إجراء التوقيف نفسه أم دعوى التعويض لاسترداد الرواتب و توابعها التي لم يتقاضاها طيلة فترة التوقيف عن العمل. في كلتا الحالتين فإن إقرار مبدأ عدم استحقاق الموظف لتعويض عن فترة توقيفه عن العمل على أساس أن الدعوى العمومية لم تحرك من قبل الإدارة التي اتخذت قرار التوقيف، بل حركت من طرف النيابة العامة هو في نظرنا مبدأ غير مستقيم.
المعمول به في أغلب التشريعات أنه في حالة تبرئة الموظف بعد متابعته جزائيا ، و قررت السلطة التي لها صلاحية التعيين إعادته إلى منصب عمله دون أن تتخذ اللجنة المتساوية الأعضاء أي تدبير تأديبي في حق هذا الموظف ، فإن هذا الأخير يسترجع كامل حقوقه بما فيها الرواتب و ملحقاتها التي لم يتقاضاها خلال فترة توقيفه عن العمل . في الواقع فإن هذه القاعدة نص عليها المشرع الجزائري كما سبق عرضه في المادة 173 -3 من الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15/07/2006 وفي المادة 131 من المرسوم رقم 85-59 .في التعليمة الصادرة عن المديرية العامة للوظيفة العمومية المؤرخة في 19 جانفي 2016 رقم 267 المشار إليها أعلاه ردت هذه الأخيرة على طلب توضيحات قدمه المدير العام للأمن الوطني حول كيفية تطبيق أحكام المادتين 173 و 174 من الأمر رقم 06- 03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 . هذه التعليمة و إن تضمنت بعض التوجيهات لا سيما ضرورة إعادة إدماج الموظف الذي استفاد بالبراءة إلى منصب عمله بعد عرض وضعيته على اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء المنعقدة كمجلس تأديبي ، و القيام بهذا الإجراء و لو كان القرار الجزائي القاضي بالبراءة محل طعن بالنقض أمام المحكمة العليا ، فإن هذه التعليمة لم توضح ما إذا كانت هذه التسوية لوضعية الموظف تشمل كذلك دفع الرواتب و توابعها التي لم يتقاضاها طيلة فترة توقيفه عن العمل. هذا الفراغ جعل المؤسسات و الإدارات العمومية تقتصر على إجراء إعادة إدماج الموظف المستفيد بالبراءة في منصب عمله دون التطرق إلى حقه في الرواتب التي لم يتقاضاها خلال فترة توقيفه.
في الواقع فإن حق الموظف الذي تقرر توقيفه تحفظيا عن العمل بسبب المتابعات الجزائية في استرداد كل رواتبه كرسه القضاء الإداري بصفة غير مباشرة بمناسبة فصله في قضية توقيف موظفة عن مهامها لارتكابها خطأ جسيما . في قرار مؤرخ في 13 جانفي 1991 ، ملف رقم 78275 ( المجلة القضائية لسنة 1992 ،عدد 4 - ص.153) ، قضت الغرفة الإدارية للمحكمة العليا أن عدم تسوية وضعية الموظف الذي تم توقيفه عن العمل في الأجل المقرر قانونا يجعل هذا الأخير مؤسس في المطالبة بدفع كل مرتباته من يوم توقيفه إلى تاريخ إعادة إدراجه في منصب عمله .
للموظف إذا الحق في المطالبة بتعويضين في حالة ما تقرر توقيفه عن العمل تحفظيا ، ثم استفاد بالبراءة و لم تسلط عليه أي عقوبة على يد المجلس التأديبي من أجل ارتكابه خطأ مهنيا منفصلا عن الخطأ الجزائي : تعويض مقابل حرمانه من رواتبه خلال فترة توقيفه عن العمل ، و تعويض عن الأضرار التي يكون قد سببها له هذا التوقيف. إذا كان طلب التعويض الأول يوجه ضد الهيئة المستخدمة التي قررت توقيفه عن العمل ، فإن الطلب الثاني يوجه ضد الدولة ارتكازا على مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة كأساس قانوني للمسؤولية الإدارية دون خطأ. استقر القضاء المقارن على أن القرار الإداري حتى و لو كان مشروعا قد يستدعي مسؤولية الأشخاص العموميين بعنوان المساواة أمام الأعباء العامة ، إذا ألحق هذا القرار ضررا غير عادي و خاص لا يمكن تحميله للموظف ( مجلس الدولة الفرنسي، كويتاس ، 30 نوفمبر 1923 ، قرار رقم 38284 ). في قرار صادر عن الغرف المجتمعة مؤرخ في 8 جوان 2017 ، قرار رقم 390424 ، قضى مجلس الدولة الفرنسي مثلا أن مسؤولية الدولة دون خطأ تكون قائمة في الحالة التي تم فيها توقيف طبيب جراح لمدة 8 سنوات من أجل ارتكابه جنحة القتل الخطأ ،ثم صدر في حقه قرارا نهائيا قضى ببراءته ، و ذلك كون هذا الطبيب الذي لم يتعرض لأي عقوبة جزائية أو تأديبية فقد جزء كبير من كفاءاته المهنية الشيء الذي ضيع عليه فرصة مواصلة مساره المهني كطبيب جراح ، فهذا الضرر حسب مجلس الدولة الفرنسي هو ضرر غير عادي يستوجب التعويض من قبل الدولة.
في كل الأحوال و نظرا لعواقب قرار توقيف موظف عن العمل، لا سيما على مستوى وضعيته المالية و العائلية و الاجتماعية ، فإن المشرع الجزائري لم يرتب على المتابعة الجزائية التوقيف الآلي للموظف بل ألزم الهيئة المستخدمة قبل اتخاذها قرار التوقيف البحث فيما إذا كانت الأفعال المنسوبة للموظف لا تسمح بإبقائه في منصب عمله. لا شك أن متابعة موظف جزائيا من أجل ارتكابه أفعال عنف داخل المؤسسة التي يشغل بها و التي سببت جروح خطيرة لزميل له تستلزم التوقيف عن العمل ، و لكن بالعكس إذا تعلق الأمر بمتابعة جزائية من أجل حادث مرور بسيط فإن ذلك لا يستدعي التوقيف عن العمل. ففي افتراض أن المصلحة التي لها صلاحية التعيين قررت توقيف موظف عن العمل بسبب متابعات جزائية لارتكابه أفعال لا تستوجب اتخاذ هذا التدبير، فهل يجوز لهذا الموظف الطعن في هذا القرار أمام القضاء الإداري؟
موقف القضاء الإداري من هذه المسألة يوحي بأنه لا يجيز الطعن في قرار توقيف الموظف تحفظيا . في قرار مؤرخ في 10 جويلية 1982 ، ملف رقم 24316 ( ل.م. ضد/ وزير العمران و البناء - قرار منشور بالمجلة القضائية لسنة 1990 عدد 2 ، صفحة 182 ) قضت الغرفة الإدارية للمحكمة العليا أن : " إيقاف موظف عن عمله لا يشكل عقوبة تأديبية بمفهوم القانون العام للوظيفة العمومية ، و لكن يعتبر تدبير بإبعاد من المصلحة فرضه سلوك الموظف ، و من ثمة فإن الطعن بالبطلان في القرار الإداري المتضمن هذا التدبير لا يمكن رفعه أمام القضاة المكلفين بإبطال قررات تجاوز السلطة ". في قرار آخر مؤرخ في 1 جوان 1985، ملف رقم 39742 ( ب.ر. ضد مدير التربية - قرار منشور بالمجلة القضائية لسنة 1989 ، عدد 3 ، صفحة 200 ) ،قضت نفس الجهة القضائية أن توقيف موظف هو إجراء احترازي مؤقت ليس له طابع تأديبي ، و من ثمة لا يخضع لشرط إبلاغ الملف التأديبي للمعني الذي يحتفظ في كل الأحوال بالحق في التعويض عند ثبوت عدم تبرير إجراء الإيقاف عن الوظيفة.
لا شك أن قرار توقيف موظف عن العمل ليس في حد ذاته عقوبة تأديبية ، و من ثمة لا يجب اعتباره مبدئيا كتدبير تأديبي يلحق ضررا بالموظف. التوقيف عن العمل هو تدبير تحفظي يتخذ بغرض إبعاد الموظف مؤقتا عن المصلحة لتي يشغل فيها في حالة الخطأ الجسيم أو المساس الخطير بسير المصلحة أو بسبب متابعة جزائية ، و ذلك في انتظار تسوية الإجراءات التأديبية أو الجزائية . القضاء و الفقه متفقان على أن تدبير التوقيف عن العمل تحفظيا ليس بعقوبة تأديبية بل هو تدبير ذو طابع إداري يختلف عن العقوبات المقررة في قانون الوظيفة العمومية ( التوبيخ ، الشطب من قائمة التأهيل ، النقل الإجباري...). و مع ذلك و ككل القرارات الإدارية ، فإن قرار التوقيف عن العمل قد يلحق في بعض الحالات ضررا بالموظف ، مثلا إذا اتخذ خرقا للقانون أو ارتكز على سبب لا يشكل خطأ جسيما ، أو إذا تقرر التوقيف على أساس المتابعة الجزائية التي بوشرت ضد الموظف ، فيما أن الأفعال المنسوبة له لا تحول دون البقاء في المنصب كونها لا تؤثر على مصلحة المرفق العام أو سمعة و مصداقية الوظيفة التي يشغلها الموظف بمفهوم المادة 174 من الأمر رقم 06-03 و المادة 131 من المرسوم رقم 85-59 .
في هذه الحالات فإنه يجوز في نظرنا رفع دعوى أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة أي المحكمة الإدارية أو المحكمة الإدارية للاستئناف بالجزائر (حسب طبيعة السلطة الإدارية التي اتخذت قرار التوقيف ) لطلب إلغاء قرار التوقيف عن العمل لعدم مشروعيته . كون الأمر لا يتعلق بقرار تأديبي ، فإنه لا يمكن الطعن في قرار التوقيف عن العمل أمام اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء المنعقدة كمجلس تأديبي و لذلك فإن دعوى الإلغاء تقدم مباشرة أمام القاضي الإداري ، على أن تسجل هذه الدعوى بأمانة ضبط الجهة القضائية الإدارية تحت طائلة عدم القبول في أجل أربعة أشهر يسري من تاريخ تبليغ قرار التوقيف و هذا طبقا للمادة 829 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية. يرجع حينئذ للقاضي الإداري تقدير ما إذا كان قرار التوقيف عن العمل المطعون فيه مشوب بالبطلان أم لا .فإذا ظهر للقاضي أن هذا القرار اتخذ خرقا للقانون ، أو أنه مشوب بتجاوز السلطة ، أو بعدم الاختصاص ، مثلا إذا تم توقيف الموظف لارتكبه خطأ بسيطا لا يرقى إلى الخطأ الجسيم الذي يستلزم إبعاد الموظف من منصبه ، أو بسبب متابعة جزائية و استمرت فترة التوقيف لمدة طويلة جدا من شأنها إلحاق أضرارا خاصة و متميزة بوضعية الموظف ، فإنه يقضي ببطلانه. يجوز كذلك في نظرنا للموظف الموقوف عن العمل في حالة الاستعجال ( فقدان الراتب ، التمديد الغير المبرر لفترة التوقيف ...) اللجوء إلى القاضي الإداري الاستعجالي و رفعه دعوى الاستعجال- وقف التنفيذ المنصوص عليها في المادة 919 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، و ذلك بغرض وقف تنفيذ قرار التوقيف. في هذه الحالة يمكن لقاضي الاستعجال الأمر مؤقتا بوقف تنفيذ تدبير التوقيف عن العمل بعد معاينته توفر عنصر الاستعجال و جدية الوسائل التي أثارها العارض دعما لطلبه.
لا شك أن أحكام الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية في الشق المتعقل بالنظام التأديبي، هي أحكام قاسية بالنسبة لوضعية الموظف الذي كان محل متابعات جزائية، أو الذي ارتكب أخطاء صنفت بالجسيمة ، كما أنها أحكام تنقصها الدقة ، الشيء الذي ترتب عليه تفسيرات و تطبيقات خاطئة لهذه الأحكام من قبل بعض المؤسسات و الإدارات العمومية.
في حالة توقيف الموظف عن العمل سواء بسبب ارتكابه لخطأ جسيم أو بسبب متابعات جزائية ، فإن المادتين 173 و 174 من الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 تنصان صراحة عن الفترة التي يبقى فيها الموظف يتقاضى راتبه و مقدار هذا الراتب . إذا تعلق الأمر بتوقيف الموظف عن العمل لارتكابه خطأ جسيم فإنه يبقى يتقاضى خلال فترة التوقيف نصف راتبه مع مجمل المنح ذات الطابع العائلي. بتقريب التاريخ الذي تتخذ فيه السلطة التي لها صلاحية التعيين قرار توقيف الموظف بالتاريخ الذي يجب فيه على هذه السلطة إحالة ملف الموظف على اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء المنعقدة كمجلس تأديبي و كذا بالتاريخ الذي يجب فيه على هذه اللجنة إصدار قرارها ، فإن الفترة الإجمالية التي يكون فيها الموظف موقوفا عن العمل هي مدة أقصاها 90 يوما ( م. 165 و 166 من الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 ).و أما في حالة المتابعات الجزائية ، فإن إجراء توقيف الموظف عن العمل يبقى ساريا إلى حين صدور حكم نهائي ، و يبقى الموظف يستفيد فقط من جزء من راتبه على ألا يتعدى النصف و ذلك لمدة لا تتجاوز 6 أشهر ابتداء من تاريخ التوقيف مع استمراره في تقاضي مجمل المنح العائلية حتى بعد انقضاء هذه المدة .
هذه الأحكام التي نصت عليها المادتين 173 و 174 من الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 هي أحكام مجحفة بحقوق الموظفين الذين سيجدون أنفسهم في وضعية اقتصادية و اجتماعية حرجة بسبب حرمانهم من رواتبهم التي قد تكون مصدر رزقهم الوحيد، و هذا في بلد يعتز بطابعه الاجتماعي و حرصه على صيانة كرامة العمال بالخصوص أعوان و موظفي الإدارات العمومية. حرمان الموظف من كامل رواتبه خلال المدة التي توقف فيها عن العمل ، لا سيما في حالة المتابعة الجزائية التي قد تستمر لعدة سنوات ، يتنافى في الواقع حتى مع المبادئ القانونية الأساسية لتشريعنا لا سيما مع مبدأ قرينة البراءة الذي هو مبدأ دستوري و كذا مع الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 نفس الذي ينص في المادة 33 أن للموظف الحق في الحماية الاجتماعية.
حرمان الموظف المتابع جزائيا من رواتبه طيلة مدة توقيف عن العمل فيما أن الأصل في المواد الجزائية أن المتهم يبقى بريئا حتى تثبت إدانته بحكم نهائي، يشكل دون شك مساس بحقوق الموظف ، و لذلك فإن بعض التشريعات حتى في الدول ذات النظام الرأسمالي و الليبيرالي لا تلجأ إلى مثل هذه التدابير القاسية . فعلى سبيل المثال ففي قانون الوظيفة العمومية الفرنسي ، فإن الموظف الذي تقرر توقيفه عن العمل بسبب ارتكابه خطأ جسيم يحتفظ بكامل رواتبه و توابعها خلال فترة التوقيف القانونية المحددة بأربعة أشهر. و أما في حالة المتابعة الجزائية و انقضاء مدة 4 أشهر دون أن يرجع الموظف الموقوف إلى منصبه، فإنه يمكن للسلطة التي لها صلاحيات التعيين إما تحويل هذا الموظف إلى منصب آخر يتماشى مع التزامات المراقبة القضائية التي قد يخضع لها ، وإما انتدابه إلى سلك آخر ليتقلد منصبا يتماشي مع هذه الالتزامات ، و في كلتا الحالتين يبقى الموظف يتقاضي نصف راتبه مع كل المنح ذات الطابع العائلي مهما طالت مدة التوقيف ( المواد من 531-1 إلى 531-5 من قانون الوظيفة العمومية الفرنسي). نفس القواعد المرنة نصت عليها بعض التشريعات العربية فالمرسوم الاشتراعي اللبناني رقم 112 الصادر في 12 جوان 1959 المعدل و المتمم المتعلق بنظام الموظفين ينص: " يتقاضى الموظف الموقوف عدليا بصورة احتياطية نصف راتبه و لا يدفع له النصف الآخر إلا إذا منعت محاكمته أو حكم بعقوبة غير الحبس". الملاحظ أن المشرع اللبناني يقر للموظف حق تقاضي رواتبه حتى في حالة ما إذا كان محبوسا بجنحة عن غير قصد أي جنحة غير عمدية ( المادة 20 من المرسوم رقم 112).و نفس القواعد أقرها المشرع المصري (المادة 63 و من قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 ) ، و المغربي ( المادة 73 من الظهير رقم 1.58.008 المؤرخ في 24/02/1958 بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية المعدل و المتمم) ، و التشريع الليبي ( المادة 158 من القانون رقم 12 لسنة 2010 بشأن إصدار قانون علاقات العمل و لائحته التنفيذية).
المشرع الجزائري و بمصادقته على أحكام المادتين 173 و 174 من الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية اللتان تنصان عن حرمان الموظف من كل رواتبه خلال فترة توقيفه عن العمل بسبب المتابعات الجزائية يكون بذلك قد انعزل عن معظم التشريعات الدولية، و هذا أمر قد يفسر كلامبالاة و غياب للتعاطف من طرف ممثلي الشعب اتجاه أعوان المؤسسات و الإدارات العمومية ، و ذلك بالنظر إلى الانعكاسات الخطيرة لأحكام هذين النصين على الوضعية المالية و العائلية و الاجتماعية للموظف الذي قد يفقد مصدر رزقه الوحيد ، و الأكثر غرابة أن تتم المصادقة على هذا القانون دون مناقشة من قبل أعضاء البرلمان بغرفتيه ،و دون أن تبدي نقابات الموظفين أي ملاحظة أو تحفظ ، علما أن الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 اتخذه أصلا رئيس الجمهورية في إطار أحكام المادة 124 من الدستور التي تمنحه سلطة التشريع بأوامر بين دورتي البرلمان و تمت المصادقة عليه من قبل البرلمان لاحقا بموجب القانون رقم 06-12 المؤرخ في 14/11/2006.
الأستاذ براهيمي محمد
محامي لدى مجلس قضاء البويرة
brahimimohamed54@gmail.com