إشكالية المادة 200 الفقرة 7 من الأمر المؤرخ في 10 مارس 2021 المتعلق بنظام الانتخابات و تطبيقها على المترشحين

mohamed brahimi By On 06/06/2026

Elections 1

بمناسبة الانتخابات للمجلس الشعبي الوطني  المقرر إجراؤها في 2 جويلية 2026، تم استبعاد عدد كبير من المترشحين، من بينهم أعضاء حاليون في البرلمان  ومسئولون منتخبون محليا و   وشخصيات حزبية و جمعوية ، من السباق في هذه الانتخابات بقرار من السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات و ذلك  لأسباب شتى ،  من بينها عدم استيفاء شرط  المادة 200  الفقرة 7 من الأمر رقم 21-01 المؤرخ في 10 مارس 2021 المتضمن القانون العضوي المتعلق بالنظام الانتخابي  الذي يشترط على المترشح للمجلس الشعبي الوطني "  ألا يكون معروفا لدى العامة  بصلته مع أوساط المال  و الأعمال المشبوهة  و تأثيره بطريقة  مباشرة أو غير مباشرة  على الاختيار الحر  للناخبين  و حسن سير العملية  الانتخابية  " . تجدر الإشارة إلى أن هذا الشرط المنصوص عليه في المادة  200 الفقرة 7 من الأمر المؤرخ    في 10 مارس 2021  يطبق أيضاً على المترشحين للمجالس الشعبية البلدية   والولائية  وكذا على  المترشحين لمجلس الأمة (المادتان 184 و221 من  الأمر المؤرخ     في 10 مارس 2021  ).

 بعض المترشحين الذين  تقرر إقصائهم  من العملية الانتخابية من قبل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات  استنادا إلى المادة 200  الفقرة 7 من الأمر المؤرخ  في 10 مارس 2021  وجهوا انتقادات بعضها حول   "غموض نص المادة 200 الفقرة 7"  أو " تطبيق هذه المادة بصفة تعسفية أو غير مبرر"، أو كذلك " خلو  قرارات  رفض الترشح  من  أسباب  جدية مؤسسة على أدلة وحقائق موثوقة "، بينما أعرب آخرون عن " قلقهم واستيائهم وعدم فهمهم" . علق  بعض المتخصصون في حقل القانون، بمن فيهم أساتذة القانون ،  على ملائمة هذه المادة 200 الفقرة 7  و عاينوا بالخصوص  تناقضات هذه المادة  و احتوائها لمفاهيم قابلة  لتفسيرات و تأويلات خاطئة ،  ولكن الغريب أنه لا أحد  تطرق  لمسألة أساسية التي ، من وجهة نظر القانون وآثار الرقابة على دستورية القوانين  العضوية  التي تمارسها المحكمة الدستورية، تجعلت هذه المادة 200 الفقرة 7 - إن لم نقل  عديمة الأثر-  فهي على  الأقل غير قابلة للتطبيق  كما هي.

 

بالفعل  وخلافا لتصريحات  مختلف المتدخلين في النقاش الذي أثاره لجوء  السلطة  الوطنية المستقلة للانتخابات   للمادة 200  الفقرة 7 من الأمر المؤرخ في 10 مارس 2021 لرفض بعض الترشيحات، والذين أكدوا على عدم دستورية هذه المادة  التي تخالف مبدأ قرينة البراءة، وعلى ضرورة مراجعتها أو إلغائها، فإنهم لم ينتبهوا  إلى أنه سبق  للمحكمة الدستورية أن أصدرت قرارا  بشأن دستورية هذه المادة ، و الملفت للانتباه أن هذا  القرار يدعم   الانتقادات التي أبداها  المتدخلين في هذا النقاش  والمترشحين المقصون من العملية الانتخابية بسبب تطبيق هذه المادة  . قرار المحكمة الدستورية  صدر بتاريخ   10 مارس 2021 تحت رقم 16 / ق م د /21 و نشر  في نفس عدد الجريدة الرسمية الذي نُشر فيه الأمر المؤرخ في  10 مارس 2021.

تجدر الإشارة  أولا أن الشرط المنصوص عليه في المادة 220  الفقرة 7 من الأمر  رقم 21-01 المؤرخ  في 10 مارس 2021 المتضمن القانون العضوي المتعلق بالنظام الانتخابي يجد مصدره  في  هذا الأمر بالذات  ، و أما القوانين اللاحقة له التي استكملته أو عدّلته  وهي الأمر رقم 21-05  المؤرخ  في 22 أبريل 2021 و  الأمر رقم 21-10 المؤرخ  في 25 أوت 2021  و مؤخرا القانون العضوي  رقم 26-05 المؤرخ  في 4 أبريل 2026 فإنها لم  تدخل أي تعديل على هذه المادة  التي بقيت كما هي . لذلك  فإنه من المثير للاستغراب أنه خلال المناقشات حول المصادقة  على الأمر المؤرخ  في 10 مارس 2021  فإن البرلمان بغرفتيه لم يبدي أي تعديل على هذه المادة  فبقيت بالشكل الذي قدته الحكومة.   

 كون  نظام الانتخابات  هو من المجالات التي يشرع فيها البرلمان بقوانين عضوية و ليس بقوانين عادية  و ذلك  طبقا للمادتين 140 و142 من الدستور، وبما أن القانون العضوي يجب أن يُحال من قبل رئيس الجمهورية إلى المحكمة الدستورية لرقابة  مطابقته للدستور كما تفرضه المادة 190 من نفس  الدستور ، فقد  أحال رئيس الجمهورية نص الأمر  المؤرخ في 10 مارس 2021 المتضمن القانون العضوي المتعلق بالنظام الانتخابي   إلى المحكمة الدستورية  بغرض رقابة دستوريته  و ذلك في الأشكال المنصوص عليها في القانون العضوي رقم 22-19 المؤرخ  في 25  جويلية المحدد  لإجراءات و كيفيات  الإخطار و الإحالة  المتبعة أمام المحكمة الدستورية  .

بعد إخطارها  من قبل رئيس الجمهورية  قصد  مراقبة دستورية  الأمر المؤرخ في 10 مارس 2021  ،  فإن المحكمة الدستورية   أصدرت قرارها و بالنسبة  للمادة 200  الفقرة 7  فإنها  أقرت فيه  صراحة من جهة   أن "هذا الحكم التشريعي موضوع الدراسة  يكتسيها الغموض سواء من حيث التطبيق  الفعلي  أو من حيث   احترام المبادئ المنصوص عليها في المادة 34 الفقرة الأخيرة من الدستور" و من جهة أخرى أن " هذا الحكم الوارد في هذه المادة غير واضح ويصعب إثباته  وقد  يترتب عنه  انتهاك و مساس بحقوق المواطن لعدم  تحديده للآليات القانونية التي تثبت هذه الأفعال "،  و أنه  " إذا كان قصد المشرع لا يهدف استبعاد الضمانات التي  تقرها و تنص عليها المادة 34 من الدستور ففي هذه الحالة  فإن   المادة 200 الفقرة 7 تعد دستورية  شريطة مراعاة هذا التحفظ ". 

قرار المحكمة الدستورية واضح  تماما. فرغم أن المحكمة الدستورية  لم تقرر عدم دستورية  المادة 200  الفقرة 7 من الأمر المؤرخ في 10 مارس  2021 فإنها بالعكس أبدت تحفظات  حول هذه المادة  . ما هو  مفهوم و معنى و نطاق هذه التحفظات ؟

عملاً بالمادة 7 من  النظام الداخلي  للمحكمة الدستورية، إذا  قررت المحكمة الدستورية عند رقابتها مدى  مطابقة  القوانين العضوية  للدستور أن القانون العضوي المعروض عليها يتضمن حكما أو عدة أحكام غير مطابقة للدستور  ولا يمكن فصلها عن باقي  أحكام  هذا القانون العضوي ،  يُعاد نص القانون إلى الجهة المخطرة . و أما إذا قررت المحكمة الدستورية  أن القانون العضوي  المعروض عليها  يتضمن حكما أو  عدة أحكام غير مطابقة للدستور و أنه يمكن فصلها عن باقي أحكام هذا  القانون العضوي ، فيجوز لرئيس الجمهورية أن يصدر هذا  القانون العضوي  باستثناء الحكم أو الأحكام المخالفة للدستور. ومع ذلك  فإن للمحكمة الدستورية،  حرصا منها  على إنقاذ النص  المعروض  عليها  و تفادي النطق بعدم دستوريته  ، فإنها  قد تسلك  مسلكا ثالثا  وسط  بين الخيارين المتمثل في تقنية التحفظات أي إعطائها للنص تفسير معين يتماشى مع أحكام الدستور مع اشتراطها احترام هذا التفسير دون غيره  و هذا هو حال نص المادة 22 الفقرة 7  من الأمر المؤرخ في 10 مارس  2021.  

توجد ثلاثة أنواع من التحفظات: التحفظات التحييدية ، التي تُزيل التفسيرات المُحتملة التي تُخالف الدستور؛ التحفظات البنّاءة  عندما تضيف المحكمة الدستورية عنصرا أو أكثر إلى القانون لجعله متوافقا مع الدستور؛  التحفظات الآمرة  التي تتضمن أمرا ضمنيا  للسلطة التشريعية أو للسلطة التنفيذية المكلفة  بتطبيق القانون. تدرج هذه التحفظات دون تمييز إما في منطوق قرار المحكمة الدستورية أو في أسباب قرارها   .  المادة 198  الفقرة الأخيرة من الدستور التي تنص على أن قرارات المحكمة الدستورية هي قرارات نهائية وملزمة لجميع السلطات العمومية  و السلطات  الإدارية والقضائية تطبق دون تمييز على   منطوق قرارات المحكمة الدستورية  و على أسبابها . و بالتالي  إذا أدرجت التحفظات في أسباب قرار المحكمة الدستورية  فتكون لها  نفس  القوة  التي تكتسيها التحفظات التي أدرجت في منطوق  هذا القرار . تبعا  لذلك   يجب على القاضي و على  السلطات المكلفة بتطبيق  القانون  الأخذ بعين الاعتبار هذه التحفظات بصفتهم أمناء على احترام الدستور. من الآثار الأخرى لهذه التحفظات أنه يجب على  السلطات الإدارية المركزية  احترام هذه   التحفظات  التفسيرية للمحكمة الدستورية ونقلها بأمان  في النصوص المطبقة  للقوانين.

كون للتحفظات سلطة  الشيء المفسر وسلطة الشيء المقضي فيه ، فإنها تحوّل القاضي إلى حامي دستورية تفسير القوانين ، و من ثمة  يجب أن تتوافق الأحكام التي يصدرها مع نص وروح القرار التفسيري للمحكمة الدستورية تحت رقابة مجلس الدولة والمحكمة العليا. رفض القاضي تطبيق  تحفظ تفسيري وارد في قرار للمحكمة الدستورية  يكون له عواقب  خطيرة   إذ فضلا على أن الحكم الذي يصدره هذا القاضي  سيتعرض مباشرة و تلقائيا  للإلغاء لاقترانه بعيب مخالفة   قرارالمحكمة الدستورية ، فإن هذا الرفض قد يكيف على أنه إنكار للعدالة .

  التحفظات التي أبدتها المحكمة الدستورية بشأن المادة 200 الفقرة 7 من الأمر المؤرخ  في 10 مارس 2021 حتى وإن وردت في أسباب قرارها  و ليس  في منطوقه ، فإنها  تكتسب  كما ذكرنا  حجية  الشيء المقضي فيه  ،  وبالتالي يجب أن يسترشد   القاضي بهذا التفسير  للمادة 200 الفقرة 7 عند البت في أي نزاع  اختلف فيه الطرفان حول تفسير هذه  المادة. بالنسبة  للطعون المقدمة أمام المحاكم الإدارية الرامية إلى إلغاء  قرارات رفض الترشيحات للانتخابات للمجلس الشعبي الوطني  الصادرة عن  السلطة  الوطنية المستقلة للانتخابات  تأسيسا على  أحكام المادة   200 الفقرة 7 من الأمر المؤرخ  في 10 مارس  2021، فمن البديهي أنه يجب على هذه المحاكم البت في هذه الطعون بتطبيقها الصارم و التام   للتحفظات التفسيرية التي أقرتها المحكمة الدستورية حول هذه المادة . إذا استند قرار الرفض  الصادر عن السلطة  الوطنية المستقلة للانتخابات   حصرا إلى المادة 200  الفقرة 7 من  الأمر 10 مارس  2021، فعلى القاضي أن يفحص ما إذا كانت  هذه السلطة  قد طبقت هذا النص تطبيقا صحيحا على  ضوء التحفظات التفسيرية  الواردة في قرار المحكمة الدستورية و  كذا على ضوء  الأدلة التي قدمتها  هذه السلطة. ويجب على القاضي الإداري أن يكون شديد الحرص  ما دامت المحكمة الدستورية وجهت انتقادات للمادة 200 الفقرة 7  باعتبارها غامضة،  غير قابلة للتنفيذ، ومن شأنها أن تنتهك حقوق المواطن ، فضلاً عن افتقارها إلى أي آلية قانونية لإثبات صحة الأفعال المذكورة في هذه المادة.

  يجب على القاضي الإداري الذي ينظر في طعن  موجه ضد  قرار السلطة الوطنية المستقلة  للانتخابات  المتضمن رفض ترشح  أن يأخذ بعين الاعتبار  التحفظات التفسيرية  التي أقرها قرار المحكمة الدستورية  وألا يحيد عنها أبداً. لا شك  أن الملف الذي قدمته السلطة  الوطنية المستقلة للانتخابات  لدعم شرعية قراراتها برفض بعد المترشحين تأسيسا على أحكام  المادة 200  الفقرة 7 من الأمر المؤرخ في 10 مارس 2021 يتألف حسب  مصادر قضائية  من تقارير أعدتها أجهزة أمنية أو إدارية  تشير إلى  الأفعال المسندة للمترشحين المعنيين  والتي، حسب السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، تجعل هؤلاء المترشحين غير مؤهلين للترشح  بعنوان المادة 200  الفقرة 7 . القاضي  الذي سيفصل في هذا النوع من الطعون آخذا بعين الاعتبار  تحفظات المحكمة الدستورية  لن يكون له خيار آخر سوى استبعاد هذه التقارير  أو أي تقرير آخر أعد في تحقيق  غير مرخص به بموجب قرار قضائي  إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار هذه  التقارير كدليل قانوني لإثبات  صحة  صلة  المترشح   مع أوساط  المال و الأعمال المشبوهة أو أفعال أخرى غير قانونية  بمفهوم المادة 200  الفقرة 7. علاوة على ذلك، فإن هذه الوثائق  المحتج  بها  أمام القاضي  الإداري  كدليل على عدم أهلية  المعني للترشح ، فضلا على أنها أعدت دون علم المعني و خارج الضمانات الدستورية ، فإنها ليس لها أي قيمة أو حجية قانونية  أمام القاضي الذي يلزمه القانون  بمراقبة  صحة  العناصر و المعلومات الواردة  في هذه الوثائق طبقا للقواعد و الإجراءات القانونية والتي يجب في كل الأحوال إبلاغها  للمعني أو لمحاميه  تطبيقًا لمبدأ الوجاهية.

ختامًا، ونظرًا لقرار المحكمة الدستورية الذي أبدى تحفظات بشأن دستورية المادة 200  الفقرة 7 من الأمر المؤرخ في 10 مارس 2021   المتضمن القانون العضوي المتعلق بالنظام الانتخابي  و الذي عاين استحالة تطبيق هذه المادة  بصيغتها الحالية  تفاديا لانتهاك الحقوق الأساسية للمواطن، فإن القاضي الإداري الذي يبت في الطعن المقدم ضد قرار  السلطة  الوطنية المستقلة للانتخابات المتضمن رفض ترشح لانتخابات المجلس الشعبي الوطني أو لأي انتخابات أخرى   استنادًا إلى المادة 200 الفقرة 7  من هذا الامر  يكون  مُلزما تحت طائلة عيب مخالفة قوة  الشيء المفسر  بموجب قرار  المحكمة الدستورية والمادة 198 من الدستور، بالتصريح بإلغاء القرار المطعون فيه. في الواقع، كان ينبغي على السلطة  الوطنية المستقلة للانتخابات نفسها الامتناع عن تطبيق المادة 200  الفقرة 7 من  الأمر المؤرخ   في 10 مارس 2021  بالاستناد  إلى التحفظات التفسيرية  التي  أقرها قرار المحكمة الدستورية  وهذا تطبيقا   لأحكام المادة 198 من الدستور   التي تنص على أن  قرارات المحكمة الدستورية  تكون ملزمة لجميع السلطات  الإدارية. 

الأستاذ براهيمي محمد

حلمي لدى مجلس قضاء البويرة

brahimimohamed54@gmail.com