لا شك أن لكل دولة الحق السيادي في سنّ القوانين المتعلقة بالجنسية، فهو حق أساسي من حقوقها السيادية وبالتالي يحق لها تحديد قواعد منح الجنسية أو سحبها أو التجريد منها . و مع ذلك فإن هذه الحرية يجب أن تخضع لضوابط لا سيما احترام نصوص دستور البلد المعني أو بنود المعاهدات و الاتفاقيات الدولية الموقع أو المصادق عليها. و تبعا لذلك هل أن الأحكام الجديدة للقانون المؤرخ في 17 فيفري 2026 المعدّل و المتمم للأمر رقم 70-86 المؤرخ في 15 ديسمبر 1970 المتضمن قانون الجنسية الجزائرية التي تجيز التجريد من الجنسية الجزائرية وتحدد الأفعال التي تؤدي إلى هذا التجريد هي أحكام مطابقة للدستور الجزائري والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجزائر؟ لا يتضمن الدستور الجزائري أي أحكام تتعلق بالجنسية باستثناء المادة 36 التي تنص على أن الجنسية الجزائرية معرفة بالقانون وأن القانون يحدد شروط اكتساب الجنسية الجزائرية و الاحتفاظ بها أو فقدانها أو التجريد منها. علاوة على ذلك ولكون الأمر يتعلق بالجنسية أي بقانون عادي و ليس بقانون عضوي فلقد تمت المصادقة على القانون المؤرخ في 17 فيفري 2026 ووقعه رئيس الجمهورية دون عرضه المسبق و الآلي على المحكمة الدستورية لمراقبة تطابقه مع الدستور و ذلك وفقًا للمادتين 140 و190 من الدستور و من ثمة لم تُتح للمحكمة الدستورية فرصة التحقق من دستورية هذا القانون.
لا شك أن أسباب التجريد من الجنسية الجزائرية الواردة في القانون الجديد قد وُسِّعت بشكل مفرط فيما أن بعض هذه الأسباب قد تعطى لها تفسيرات خاطئة أو مُبالغ فيها. قبل التعديل كان الأمر المؤرخ في 15 ديسمبر 1970 المُعدَّل و المتمم بالأمر رقم 05-01 الصادر في 27 فبراير 2005 يتضمن مادة فريدة (المادة 22) نصت فقط عن ثلاث حالات تؤدي إلى التجريد من الجنسية الجزائرية و كلها تخص الجنسية المكتسبة دون الجنسية الأصلية . الحالتين الأوليتين تخصان الشخص الذي صدر ضده حكم من أجل فعل يعد جناية أو جنحة تمس بالمصالح الحيوية للجزائر أو الذي صدر ضده حكم في الجزائر أو في الخارج يقضي بعقوبة لأكثر من 5 سنوات سجنا من أجل جناية . و أما الحالة الثالثة فتتعلق بالشخص الذي قام لفائدة جهة أجنبية بأعمال تتنافى مع صفته كجزائري أو مضرة بمصالح الدولة الجزائرية . القانون التعديلي الجديد المؤرخ في 17 فيفري 2026 أبقى على أحكام المادة 22 و لكن أضاف لها حالة الحكم على الشخص من أجل فعل يعد جناية أو جنحة تمس بالوحدة الوطنية أو بأمن الدولة ، مع إلغاء حالة الشخص الذي قام لفائدة جهة أجنبية بأعمال تتنافى مع صفته كجزائري أو مضرة بمصالح الدولة الجزائرية. كما أضاف هذا القانون مادة (المادة 22 مكرر) وسعت حالات التجريد من الجنسية الجزائرية.
المادة 22 مكرر من القانون التعديلي المؤرخ في 17 فيفري 2026 وسعت نطاق التجريد من الجنسية الجزائرية ليشمل الجنسية المكتسبة و الجنسية الأصلية على حد سواء، وهو ما لم يكن موجودا في النصوص القديمة التي كانت تنص فقط عن إمكانية التجريد من الجنسية المكتسبة. وتجدر الإشارة إلى أنه وفقاً للمواد من 6 إلى 8 من الأمر المؤرخ في 15 ديسمبر 1970 فإن " الجنسية الأصلية " تشير إلى الجنسية المكتسبة تلقائياً عند الولادة عن طريق النسب (الولد المولود من أب جزائري أو أم جزائرية ) أو عن طريق الولادة في الجزائر (الولد المولود في الجزائر من أبوين مجهولين أو الولد الحديث الولادة الذي عثر عليه في الجزائر . أما " الجنسية المكتسبة " فتشير إلى الجنسية التي يتم الحصول عليها لاحقاً عن طريق التجنس بموجب مرسوم رئاسي (الزواج من جزائري أو جزائرية ، الإقامة بالجزائر أو الأجنبي الذي قدم خدمات استثنائية للجزائر). تناولت المادة 22 مكرر من القانون التعديلي المؤرخ في 17 فيفري 2026 ست حالات أخرى تؤدي جميعها إلى التجريد من الجنسية الجزائرية بغض النظر عن طبيعة الجنسية (مكتسبة أو أصلية)، شريطة أن تكون الأفعال المرتكبة قد وقعت في الخارج، أو إذا ارتُكبت هذه الأفعال بالجزائر إذا كان الفاعل في حالة فرار خارج التراب الوطني. بالعكس إذا كان الأمر يتعلق بشخص يحمل الجنسية الجزائرية الأصلية ويحمل جنسية أخرى مكتسبة، فإنه يمكن تجريده من الجنسية الجزائرية الأصلية حتى لو ارتُكبت الأفعال بالجزائر. و نفس الشيء بالنسبة للجزائري الذي يحوز جنسية أخرى مكتسبة و استعملها لضرب الجنسية الجزائية الأصلية أو استعملها للإضرار بالجزائر إذ يمكن في هذه الحالات تجريده من الجنسية الأصلية.
الجديد الذي أتى به القانون التعديلي المؤرخ في 17 فيفري 2026 والذي قد يبدو غير متناسب أو متعارضا مع المبادئ العالمية في مجال الجنسية و مع قواعد القانون الدولي العام التي تحظر فقدان الجنسية إذا كانت تؤدي إلى انعدام الجنسية ، هو أن المادة 22 مكرر1 من هذا القانون ، و رغم أنها تكرس مبدأ عدم جواز حرمان أي شخص من جنسيته الجزائرية الأصلية إذا لم يكن يحوز على جنسية أخرى مكتسبة ، فإنها تُجيز بصفة استثنائية التجريد من الجنسية الأصلية إذا ارتكب الشخص المعني أفعال الخيانة و التخابر مع دولة أجنبية و حمل السلاح ضد الجزائر و المساس بوحدة الوطن و السلامة الترابية للجزائر و الانتماء بأي صفة كانت إلى الكيانات و التنظيمات الإرهابية و كل الأفعال التي تستهدف أمن الدولة و استقرارها (الفقرة الأخيرة من المادة 22 مكرر1). هذا التعداد للأفعال التي من شأنها أن تؤدي إلى تجريد شخص من جنسيته الأصلية حتى و لو تكن له جنسية أخرى وجعله عديم الجنسية يثير تحفظات خاصة وأن هذه الأفعال وردت في صيغ غير دقيقة قد تترك مجالا واسعا لتفسيرات خاطئة قد تجعل من جنحة بسيطة على غرار القذف أو مجرد رأي سببا لتجريد شخص من جنسيته الأصلية . إن احتمال ارتكاب أخطاء في تكييف الأفعال المسندة إلى الشخص المتابع من أجل تجريده من جنسيته الجزائرية يتزايد إذا علمنا أن الهيئة المكلفة بتكييف هذه الأفعال ليس قاضيا بل موظفا قد لا يتمتع بالمؤهلات اللازمة لإعطاء التكييف القانوني الصحيح لهذه الأفعال.
كما سبق ذكره و باستثناء المبادئ العالمية التي تحظر انعدام الجنسية، والتي كان من الممكن مراعاتها أثناء صياغة مشروع هذا القانون التعديلي فإن أحكام القانون المؤرخ في 17 فيفري 2026 الذي يُجيز التجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية لا تُخالف التزامات الجزائر الدولية بشكل مباشر ما دام الجزائر لم توقع و لم تصادق على الاتفاقية الدولية بشأن خفض حالات انعدام الجنسية 1961 المُعتمدة في 30 أوت 1961 بنيويورك. هذه الاتفاقية الدولية التي دخلت حيز التنفيذ في 13 ديسمبر 1975 لم تصادق عليها سوى 80 دولة. ولم تتضمن هذه الدول أي دولة من دول شمال إفريقيا أو الدول العربية، باستثناء تونس التي صادقت عليها بتحفظات. الجزائر تكون بذلك غير ملزمة بأحكام المادة 8 من هذه الاتفاقية التي تحظر ، إلا لأسباب خطيرة، سحب الجنسية من أي شخص إذا نتج عن ذلك انعدام الجنسية. بشكل متناقض فإن الجزائر كانت من الدول الأوائل التي صادقت على الاتفاقية الدولية بشأن وضعية الأشخاص عديمي الجنسية لعام 1954 حيث تم توقيع مرسوم الانضمام لهذه الاتفاقية في 8 جوان 1964 أي مباشرة بعد الاستقلال . كون الجزائر أدرجت أحكام هذه الاتفاقية الدولية في تشريعاتها الداخلية و التزمت بموجبها ضمان الحقوق الأساسية للأشخاص عديمي الجنسية المقيمين على أراضيها ، فكان من المفروض و من المنطق أن يستلهم القانون التعديلي المؤرخ في 17 فيفري 2026 المبادئ الواردة في اتفاقية 1954 متجنبا قدر الإمكان خلق أشخاص عديمي الجنسية. و هذا الاتجاه يكون أكثر تماسكا و عقلانيا إذا علمنا أنه من بين 80 دولة التي انضمت إلى اتفاقية 1954 فإن الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة إلى جانب تونس وليبيا، التي صادقت عليها.
للتوفيق بين الصرامة الشديدة لقانون 17 فيفري 2026 الذي يُجيز التجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية حتى لو لم يكن للشخص جنسية مكتسبة أخرى، فإن المشرع الجزائري أقر بعض الضمانات التي من شأنها توفير الحماية للشخص المُهدد بسحب جنسيته. أولًا و كون التجريد من الجنسية الجزائرية سواء كانت مكتسبة أو أصلية يُقرر تطبيقا للمادة 22 مكرر من القانون المؤرخ 17 فيفري 2026 من طرف السلطة الإدارية أي رئيس الجمهورية بعد تحقيق تُجريه سلطة إدارية أخرى (اللجنة الخاصة المُنشأة لدى وزير العدل المكلفة بدراسة ملفات التجريد من الجنسية الجزائرية و البت فيها )، و هذا حتى في غياب إدانة جزائية صادرة عن جهة قضائية ، فإن القانون يشترط وجود أدلة قوية و متماسكة على أن الشخص قام بأحد الأفعال المُؤدية إلى سحب الجنسية (المادة 22 مكرر الفقرة 1). وبالتالي، فإن مجرد الشكوك في ارتكاب هذه الأفعال لا تكفي لمباشرة إجراءات سحب الجنسية الجزائرية.
ثم يجب على الحكومة الجزائرية انذار الشخص المهدد بسحب جنسيته الجزائرية بالتوقف عن الأفعال المذكورة (المادة 22 مكرر الفقرة 1). ويُمنح للشخص المعني مهلة تتراوح بين 15 و60 يومًا للامتثال لهذا الانذار (المادة 22 مكرر الفقرة 5). يبلغ هذا الانذار للمعني عبر القنوات المعتمدة لتبليغ الإجراءات بما في ذلك التبليغ عن طريق وسائل الاتصال الالكترونية أو عن طريق النشر في جريدتين تكون إحداهما بلغة أجنبية (المادة 22 مكرر الفقرة 6). كما يجب إبلاغ الشخص المعني بإمكانية تقديم ملاحظاته المكتوبة بكل الطرق القانونية بما في ذلك وسائل الاتصال الإلكتروني أو إذا تعذر ذلك إعلامه عن طريق النشر في جريدتين ،و يجب تقديم هذه الملاحظات المكتوبة في مهلة 30 يومًا تسري ابتداء من انتهاء مهلة الانذار (المادة 23). وعند انقضاء هذه المهل، يحال ملف التجريد من الجنسية الجزائرية إلى اللجنة الخاصة المُنشأة لدى وزير العدل للبت فيه (المادة 22 مكرر2). يتم تحديد تشكيلة هذه اللجنة الخاصة وتنظيمها و سيرها عن طريق التنظيم إلا أن هذا النص التنظيمي لم يُنشر بعد. لم يُحدد القانون المؤرخ 17 فيفري 2026 ما إذا كان قرار هذه اللجنة الخاصة إلزامي أم استشاري فقط غير أن التجريد من الجنسية الجزائرية يتخذ بمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية (المادة 23 الفقرة 3).
ما هي طرق الطعن الجائزة ضد المرسوم الرئاسي المتضمن التجريد من الجنسية الجزائرية ؟ إذا اعتبر الشخص المعني أن المرسوم الرئاسي الذي جرده من جنسيته الجزائية هو مرسوم مشوب بتجاوز السلطة أو بمخالفة القانون، هل يجوز له الطعن فيه أمام القضاء ؟ كون المرسوم الرئاسي المتضمن التجريد من الجنسية الجزائرية هو قرار فردي صادر عن سلطة إدارية ( رئيس الجمهورية) ، فإنه يكون قابلا مثله مثل كل القرارات الإدارية الفردية للطعن فيه بالإلغاء لعيب تجاوز السلطة أو لمخالفة القانون و ذلك أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة. و بما أن الأمر يتعلق بمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية أي صادر عن سلطة إدارية مركزية ، فإن هذا الطعن بالإلغاء يقدم أمام المحكمة الإدارية للاستئناف بالجزائر التي ستبت في هذا الطعن ابتدائيا بقرار قابل للاستئناف أمام مجلس الدولة (المادة 900 مكرر الفقرة 3 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية والمادة 10 من القانون العضوي رقم 22-11 المؤرخ في 9 جوان 2022 المعدل و المتمم للقانون العضوي المتعلق بتنظيم تسيير مجلس الدولة). و موازاة مع هذا الطعن بالإلغاء الموجه ضد المرسوم الرئاسي يمكن للمعني أن يطلب عن طريق الاستعجال و أمام نفس المحكمة الإدارية للاستئناف بالجزائر وقف هذا المرسوم الرئاسي مؤقتا إلى حين الفصل في دعوى الإلغاء. يجب تقديم الطعن بالإلغاء في أجل شهرين يسري من تاريخ تبليغ المرسوم الرئاسي. و قد يؤدي هذا الطعن إلى إلغاء المرسوم الرئاسي مثلا في حالة ما لم تحترم الإجراءات المنصوص عليها في المادتين 22 مكرر و 23 من القانون التعديلي المؤرخ في 17 فيفري 2026 (عدم انذار الشخص بالتوقف عن القيام بالأفعال المقررة للتجريد من الجنسية الجزائرية ، عدم تمكين المعني من تقديم ملاحظاته المكتوبة ، الفعل محل إجراءات التجريد من الجنسية لا يدخل في تعداد الأفعال المحددة حصريا في قانون الجنسية ...)
في حالة ما أخطرت المحكمة الإدارية للاستئناف بالجزائر أو مجلس الدولة بالطعن بالإلغاء في المرسوم الرئاسي المتضمن التجريد من الجنسية الجزائرية ، فانه يجوز للمعني كذلك اللجوء إلى الية الدفع بعدم الدستورية المنصوص عليها في القانون العضوي رقم 18-16 المؤرخ في 2 سبتمبر 2018 و ذلك بتقديم عريضة أمام هتين الجهتين القضائيتين الإدارتين المرفوع أمامهما دعوى الإلغاء يلتمس فيها إخطار المجلس الدستوري للنظر في مدى مطابقة نص القانون التعديلي المؤرخ في 17 فيفري الذي يتوقف عليه مآل النزاع مع الدستور و هل أن هذا النص لا ينتهك الحقوق والحريات التي تضمنها أحكام هذا الدستور.
الأستاذ براهيمي محمد
محامي بمجلس قضاء البويرة
brahimimohamed54@gmail.com