- mohamed brahimi avocat
- bouira
Posts by brahimi-avocat
تسوية مسائل الاختصاص داخل النظام القضائي الإداري :ضرورة ملأ الفراغ التشريعي

نظرا للقواعد الخاصة والمعقدة التي تحكم اختصاص الجهات القضائية الإدارية، كثيراً ما يخطئ المتقاضون في تحديد الجهة القضائية المختصة ، فيرفعون دعواهم أمام جهة قضائية ليست هي الجهة التي أسند لها القانون النظر و الفصل في الدعوى التي رفعت أمامها . ما يلاحظه المحامون في كل جلسة من جلسات النطق بالأحكام و القرارات الصادرة عن المحاكم الإدارية هو العدد الكبير للأحكام التي تقضي بعدم الاختصاص. لاشك أن الأحكام التي تقضي بعدم الاختصاص لها أثر سلبي و في بعض الأحيان أثر كارثي على المتقاضين الذين قد يخسرون دعواهم بعد خصومات دامت عدة أشهر بل في بعض الحالات عدة سنوات .
أولا قد يخطئ المدعي عندما يرفع دعواه أما القاضي الإداري فيما أن موضوع النزاع لا يدخل في اختصاص النظام القضائي الإداري بل هو من اختصاص القاضي العادي ، مثلا رفع دعوى ضد مؤسسة عمومية ذات طابع اقتصادي و تجاري أمام محكمة إدارية بدلا من رفعها أمام محكمة مدنية . ثم حتى لو رفع المدعي دعواه أمام جهة قضائية إدارية التي تكون هي المختصة كالدعوى الرامية إلى إلغاء مقرر إداري ، فقد يخطئ في تحديده لنوع هذه الجهة القضائية فيرفعها مثلا أمام المحكمة الإدارية بدلا من رفعها أمام المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر الفاصلة كقاضي الدرجة الأولى و ذلك في الحالات المنصوص عليها في المادة 900 مكرر الفقرة 3 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية (ق.إ.م.إ.). يتعلق الأمر هنا بخطأً متصل بالاختصاص النوعي للجهة القضائية الإدارية.
حتى و إن كانت الدعوى تدخل في الاختصاص النوعي للمحكمة الإدارية التي رفع إليها النزاع ، فقد يرفع المدعي عن خطأ هذه الدعوى أمام محكمة إدارية ليست هي المختصة من حيث قواعد الاختصاص الإقليمي، و مثال ذلك رفع دعواه أمام المحكمة الإدارية للبويرة فيما أن المحكمة الإدارية المختصة إقليميا هي المحكمة الإدارية للجزائر . يتعلق الأمر هنا بخطأ متصل بالاختصاص الإقليمي.
سواء تعلق الأمر بعدم الاختصاص النوعي أو بعدم الاختصاص الإقليمي، فإن عدم الاختصاص هو من النظام العام بمعنى أن القاضي الإداري يكون ملزما بالتصريح بعدم اختصاصه من تلقاء نفسه و لو لم يثره الأطراف (ق.إ.م.إ.، م. 807). من آثار هذه القاعدة أن قواعد الاختصاص تكون غير قابلة لترتيبات اتفاقية و هذا ما يقيد من إمكانية الأطراف في اختيار اختصاص قضائي . وهنا يظهر الفرق الجوهري مع قواعد الاختصاص في القانون الخاص (المحكمة العادية) حيث لا يعتبر الاختصاص الإقليمي من النظام العام ولا يجوز للقاضي إثارته من تلقاء نفسه، بل يجب على المدعى عليه إثارته قبل أي دفاع في الموضوع أو دفع بعدم القبول (ق.إ.م.إ.، م. 47).
خلافًا للنظام القضائي العادي، تتسم إجراءات التقاضي أمام الجهات القضائية الإدارية بالتعقيد الشديد. المبدأ هو أن المحاكم الإدارية هي جهات الولاية العامة في المنازعات الإدارية، باستثناء المنازعات الموكلة إلى جهات قضائية أخرى(ق.إ.م.إ.،م.800-1).تختص المـحاكم الإدارية بالفصل في أول درجة بحكم قابل للاستئناف في جميع القضايا التي تكون الدولة أو الولاية أو البلدية أو إحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية أو الهيئات العمومية الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية طرفا فيها (ق.إ.م.إ.،م.800-2). تختص المـحاكم الإدارية كذلك بالفصل في: - دعـاوى إلــغــاء وتــفسيــر وفــحص مشروعــيــة الــقــرارات الصادرة عن الولاية والمصالح غير الممركزة للدولة على مستوى الولاية، البلدية، المنظمات المهنية الجهوية و المؤسسات العمومية المـحلية ذات الصبغة الإدارية ؛ - دعاوى القضاء الكامل؛ - القضايا المخولة لها بموجب نصوص خاصة (ق.إ.م.إ.،م. 801).
أما المحاكم الإدارية للاستئناف فإن وظيفتها الأساسية كما هو حال المجالس القضائية التابعة للنظام القضائي العادي هو البت في الاستئنافات المرفوعة ضد الأحكام و الأوامر الصادرة عن المحاكم الإدارية (ق.إ.م.إ.،م. 900 مكرر الفقرة 1). عقب إصلاح الجهات القضائية الإدارية بموجب القانون رقم 22-13 المؤرخ في 12 جويلية 2022 المعدل و المتمم للقانون رقم 08-09 المؤرخ في 25 فيفري 2008 المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، أصبحت المواد التي كانت سابقاً من اختصاص مجلس الدولة بصفته قاضي أول و آخر درجة من اختصاص المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر ( قانون الإجراءات المدنية و الإدارية استعمل تسمية " المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر " فيما أن بعض القوانين الخاصة تستعمل إما تسمية " المحكمة الإدارية للاستئناف لمدينة الجزائر " و إما تسمية " المحكمة الإدارية للاستئناف بالجزائر العاصمة " - فضلنا استعمال التسمية التي وردت في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية باعتباره هو الأصل أي " المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر" ) . و هكذا أصبحت المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر مختصة أيضاً بالفصل كدرجة أولى في دعاوى إلغاء وتفسير وتقدير مشروعية القرارات الإدارية الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية والهيئات العمومية الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية (ق.إ.م.إ.،م.900 مكرر الفقرة 3).
أما مجلس الدولة فإنه احتفظ بدوره التقليدي كقاضي النقض. تطبيقاً للمادة 9 من القانون العضوي رقم 98-01 المؤرخ في 30 ماي 1998 المتعلق بتنظيم مجلس الدولة و سيره و اختصاصاته وعمله وصلاحياته المعدل و المتمم القانون العضوي رقم 22-11 المؤرخ في 9 جوان 2022 ، فإن مجلس الدولة يختص بالفصل في الطعون بالنقض في الأحكام والقرارات الصادرة نهائيا عن الجهات القضائية الإدارية و في الطعون بالنقض المخولة له بموجب نصوص خاصة. يختص مجلس الدولة كذلك عملا بأحكام المادة 10 من نفس القانون العضوي بالفصل في استئناف القرارات الصادرة عن المـحكمة الإدارية للاستئناف لمدينة الجزائر في دعاوى إلغاء وتفسير وتقدير مشروعية القرارات الإدارية الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية و الهيئات العمومية و المنظمات المهنية الوطنية.
بعد تحديد الجهة القضائية الإدارية المختصة نوعيا (المحكمة الإدارية ، المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر ، مجلس الدولة)، يتعين على المدعي كذلك اختيار الجهة القضائية الإدارية المختصة إقليميا من بين 58 محكمة إدارية و 6 محاكم إدارية للاستئناف الموزعة على التراب الوطني وفقًا لما هو محدد في الملحقين الأول والثاني للمرسوم التنفيذي رقم 435-22 المؤرخ في بتاريخ 11 ديسمبر 2022 المحدد لدوائر الاختصاص الإقليمي للمحاكم الإدارية للاستئناف والمحاكم الإدارية. حددت المادتان 803 و804 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية القواعد التي تحكم الاختصاص الإقليمي للمحاكم الإدارية. المبدأ هو أن الاختصاص الإقليمي يؤول للمحكمة الإدارية التي يقع في دائرة اختصاصها موطن المدعى عليه (ق.إ.م.إ.، م. 803 و 37 ). فعلى سبيل المثال، إذا كان الطرف المكلف بالحضور أمام المحكمة الإدارية هو رئيس بلدية الجزائر في دعوى موضوعها إلغاء قراره المتضمن رفض تسليم رخصة بناء، فإن المحكمة الإدارية المختصة إقليميا هي المحكمة الإدارية لمدينة الجزائر.
نصت المادة 804 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على عدة استثناءات لقاعدة الاختصاص الإقليمي للمحكمة الإدارية التي يقع في دائرة اختصاصها موطن المدعى عليه . تنص هذه المادة أنه خلافا لأحكام المادة 803 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، ترفع الدعاوى وجوبا أمام المحاكم الإدارية في المواد المبينة أدناه :
- في مادة الضرائب أو الرسوم، أمام المـحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان فرض الضريبة أو الرسم ؛
- في مادة الأشغال العمومية، أمام المـحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تنفيذ الأشغال ؛
- في مادة العقود الإدارية، مهما كانت طبيعتها، أمام المـحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إبرام العقد أو تنفيذه ؛
- في مادة المنازعات المتعلقة بالموظفين أو أعوان الدولة أو غيرهم من الأشخاص العاملين في المؤسسات العمومية الإدارية، أمام المـحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان ممارسة وظيفتهم ؛
- في مادة الخدمات الطبية، أمام المـحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان تقديم الخدمات ؛
- في مادة التوريدات أو الأشغال أو تأجير خدمات فنية أو صناعية، أمام المـحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إبرام الاتفاق أو مكان تنفيذه إذا كان أحد الأطراف مقيما به ؛
- في مادة تعويض الضرر الناجم عن جناية أو جنحة أو فعل تقصيري، أمام المـحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان وقوع الفعل الضار ؛
- في مادة إشكالات تنفيذ الأحكام الصادرة عن الجهات القضائية الإدارية، أمام رئيس الجهة القضائية الإدارية التي صدر عنها الحكم موضوع الإشكال.
بالنسبة للاختصاص الإقليمي للمحكمة الإدارية للاستئناف، فإن القاعدة بسيطة لا تثير إشكالا. بصفتها محكمة استئناف، فإن المحكمة الإدارية للاستئناف المختصة إقليميا هي المحكمة الإدارية للاستئناف التي يوجد في دائرتها الجغرافي المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم أو الأمر محل الاستئناف . المرسوم التنفيذي رقم 22-435 المؤرخ في 11 ديسمبر 2022 السالف الذكر هو الذي حدد في الملحق الأول المرفق به الاختصاص الإقليمي للمحاكم الإدارية للاستئناف ، علما أن كل محكمة إدارية للاستئناف تغطي عدة محاكم إدارية.
قد يخطئ المدعي في تحديده للجهة القضائية الإدارية المختصة ، فمثلا يرفع دعواه أمام المحكمة الإدارية فيما أن النزاع هو من اختصاص المحكمة الإدارية للاستئناف لمدينة لجزائر (خطأ في الاختصاص النوعي)، أو يرفع دعواه أمام المحكمة الإدارية للبويرة فيما أن النزاع من اختصاص المحكمة الإدارية لتيزي وزو (خطأ في الاختصاص الإقليمي). في كلتا الحالتين، يتعين على الجهة القضائية المرفوع إليها الدعوى التصريح بعدم اختصاصها ، لكن وخلافا لما هو معمول به أمام المحاكم المدنية التي تقتصر على إصدار حكم يقضي فقط بعدم الاختصاص ، فإن القاعدة في التقاضي الإداري المقارن هي أن الجهة القضائية الإدارية التي تقضي بعدم اختصاصها لا تقتصر على إصدار حكم يقضي بذلك و لكن تكون كذلك ملزمة بإعادة توجيه الملف أي إحالة القضية إلى الجهة القضائية التي تراها المختصة.
أقر المشرع الجزائري فعلا أحكاما خاصة تنص على قاعدة إحالة الملف لصالح جهة قضائية إدارية أخرى حينما تعتبر جهة قضائية إدارية أنها غير مختصة، و لكن هذه الأحكام لم تقدم حلا لكل الإشكالات التي تثيرها مسألة تسوية مسائل الاختصاص داخل الجهات القضائية الإدارية . رغم أن قانون الإجراءات المدنية والإدارية يتضمن قسما كاملا يحمل عنوان " في تسوية مسائل الاختصاص" (القسم 6) ، فإن هذا القسم يتشكل من مادتين اثنتين فقط تركتا جانب كبير من الإشكالات و الصعوبات دون حل (ق.إ.م.إ.، م. 813 و 814) .
وفقا لأحكام المادة 813 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية : "عندما تخطر إحدى المـحاكم الإدارية بطلبات ترى أنها من اختصاص المـحكــمــة الإداريــة لــلاستئـنـاف، يحول رئيس المـحكمة الإدارية الملف في أقرب الآجال إلى المـحكمة الإدارية للاستئناف. تفصل المـحكمـة الإدارية للاستئناف في الاخـتصاص وتفصل في الموضوع إذا رأت أن النزاع يدخل في اختصاصها وتحيل القضية، عند الاقتضاء، إلى المـحكمة الإدارية المعنية للفصل في كل الطلبات أو في جزء منها إذا رأت عكس ذلك". هذه الحالة تفترض أن المدعي و بدلًا من إخطار المحكمة الإدارية للاستئناف بطلباته فإنه أخطر عن خطأ المحكمة الإدارية للدرجة الأولى (مثلا قدم للمحكمة الإدارية طلب إلغاء قرار إداري صادر عن وزير بدلا من تقديمه إلى المـحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر ) . المحكمة الإدارية هنا لن تقضي بعدم اختصاصها مع إحالة المدعي إلى ما يراه مناسبا ، بل تكون ملزمة بتحويل الملف إلى المـحكمة الإدارية للاستئناف المختصة أي المـحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر. المادة 813 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية تنص من جهة عن تحويل الملف إلى " المـحكمة الإدارية للاستئناف " و من جهة أخرى تفترض إخطار المحكمة الإدارية " بطلبات " دون تمييز، فهل يعني ذلك أن إجراء إحالة الملف يطبق حتى في الحالة التي تكون فيها هذه الطلبات قد قدمت تدعيما لاستئناف حكم أو أمر أخطرت به عن خطأ المحكمة الادارية؟ المادة 813 لا تمنع ذلك و لا تجيزه و لكن نعتقد أنه كون طرق الطعن و إجراءات مباشرتها تخضع لأحكام اعتبرها المشرع إلزامية و من النظام العام ، فإنه لا يمكن للمحكمة الإدارية التي أخطرت عن خطأ باستئناف حكم أو أمر أن تحيل الملف إلى المحكمة الإدارية للاستئناف إذ عليها فقط التصريح بعدم الاختصاص و يرجع حينئذ للمعني رفع استئنافه من جديد أمام المحكمة الإدارية للاستئناف المخصة إن لم ينقضي أجل الاستئناف.
إذا عرضت مثلا على المحكمة الإدارية طلبات ترمي إلى إلغاء مرسوم أو أمر صادر عن رئيس الجمهورية ، أو مقرر أو قرار تنظيمي صادر عن وزير ، أو كذلك قرار صادر عن منظمة مهنية وطنية ، فإنه يتعين على هذه المحكمة الإدارية التصريح بعدم اختصاصها مع إحالة القضية إلى المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر المختصة دون غيرها بالبت في هذا النوع من الطعون. بمجرد استلام ملف القضية المحال لها من قبل المحكمة الإدارية التي قضت بعدم اختصاصها، يكون أمام المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر عدة خيارات: إما أن تفصل في موضوع النزاع برمته إذا رأت أنها هي المختصة، و إما تحيل القضية إلى المحكمة الإدارية المختصة للفصل في كل الطلبات و إما تتمسك باختصاصها للفصل في جزء من الطلبات المحالة إليها و تحول الجزء الباقي من الطلبات إلى المحكمة الإدارية المختصة . وقد تكون المحكمة الإدارية التي تبت في القضية إثر الإحالة هي نفسها المحكمة الإدارية مصدر الإحالة كما قد تكون محكمة إدارية أخرى. في حالة الإحالة إلى محكمة إدارية، لا يجوز لهذه الأخيرة التصريح بعدم اختصاصها بل تكون ملزمة بالفصل في القضية (ق.إ.م.إ.، م. 814-1) .
الفقرة 2 من المادة 900 مكرر من قانون الإجراءات المدنية والإدارية تنص على أن المحكمة الإدارية للاستئناف تختص أيضا بالفصل في القضايا المخولة لها بموجب نصوص خاصة . فتبعا لذلك إذا أقر المشرع اختصاص المحكمة الإدارية للاستئناف للبت في مسألة أو مادة معينة و رفعت دعوى تخص هذه المسألة أو المادة عن خطأ أمام محكمة إدارية ، فإن هذه الأخيرة لن تقتصر على التصريح بعدم اختصاصها بل تحيل الملف مباشرة إلى المحكمة الإدارية للاستئناف المختصة. في مجال الانتخابات مثلا فإن المادة 206 الفقرة 4 من الأمر رقم 21-01 المؤرخ في 10 مارس 2021 المتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات تنص على أن قرار رفض مترشح بـالـنسبـة لمتـرشحي الدوائر الانتخابية بالخارج يكون قابلا للطعن " أمام المـحكمة الإدارية بالجزائر العاصمة". كذلك في المجال النقدي و المصرفي فإن المواد 67 الفقرة 4 و 95 و 119 الفقرة 2 من القانون رقم 23-09 المؤرخ في 21 جوان 2023 المتضمن القانون النقدي و المصرفي تنص على أن بعض القرارات التي تتخذه اللجنة المصرفية تكون قابلة للطعن فيها أمام " المحكمة الإدارية للاستئناف لمدينة الجزائر". فلو قدم في هذه المواد طعن أمام محكمة إدارية فإنه يجب على هذه الأخيرة التصريح بعدم اختصاصها مع إحالة الملف مباشرة إلى المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر.
أما المادة 814 الفقرة 2 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فرغم غموضها وعدم اكتمالها، إلا أنها تتناول مسألة تسوية الاختصاص أمام مجلس الدولة، إذ تنص على ما يلي: "عندما يفصل مجلس الدولة في الاختصاص، يحيل القضية أمام المـحكمة الإدارية للاستئناف المختصة، ولا يجوز لهذه الأخيرة التصريح بعدم اختصاصها ". يفترض هنا مثلا أن مجلس الدولة أخطر بطلبات هي من اختصاص المحكمة الإدارية للاستئناف كتقديم طلبات إلى مجلس الدولة موضوعها إلغاء مقرر إداري فيما أن هذه الطلبات هي من اختصاص المحكمة الإدارية للاستئناف أو المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر.
فضلا على أن النصوص القليلة التي عالجت نظام تسوية مسائل الاختصاص وردت في صيغ غامضة و مبهمة تستوجب تفسيرا قد يكون عسيرا ، فإن قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ترك دون تسوية العديد من الحالات الأخرى التي تتطلب أحكاما تكميلية و هذا ما قد يُسبب إزعاجًا للمتقاضين علما أن نية المشرّع من إدراج قسم كامل في هذا القانون يعالج هذه المسائل هو تخفيف العبء عن المتقاضين بتيسير وصولهم إلى العدالة الإدارية.
تُظهر الممارسة القضائية في المنازعات الإدارية أن غالبية أحكام عدم الاختصاص، سواءً تعلق الأمر بعدم الاختصاص الإقليمي أو بعدم الاختصاص النوعي ، تصدر عن المحاكم الإدارية للدرجة الأولي . يمكن للمحكمة الإدارية كما سبق عرضه إصدار حكم يقضي بعدم الاختصاص إما لأن القضية المعروضة أمامها هي من الاختصاص الإقليمي لمحكمة إدارية أخرى، و إما لأن الطعن المرفوع إليها هو من الاختصاص النوعي المانع للمحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر . كيف تحل هذه المسائل المتعلقة بالاختصاص في ضوء الأحكام الحالية لقانون الإجراءات المدنية والإدارية ؟ هل يجوز للمحكمة الإدارية التي تقضي بعدم اختصاصها إحالة القضية إلى محكمة إدارية أخرى (عدم الاختصاص الإقليمي) أو إلى المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر (عدم الاختصاص النوعي)؟
قانون الإجراءات المدنية والإدارية لم يتطرق إلى هذه الحالات التي هي حالات جد شائعة فيما أن المادتان 813 و814 تلزمان الإحالة على الجهة القضائية المختصة فقط في الحالة التي ترفع دعوى أمام محكمة إدارية و رأت هذه الأخيرة أن الدعوى من اختصاص المحكمة الإدارية للاستئناف ، أو عندما يخطر مجلس الدولة بطلبات هي من اختصاص المحكمة الإدارية للاستئناف. فأمام هذا الفراغ القانوني، فإن المحاكم الإدارية تصدر أحكامًا تقضي بعدم الاختصاص دون إحالة القضية إلى الجهة القضائية المختصة . هذا الوضع يكون أكثر شيوعا و ضررا للمتقاضي الجزائري الذي أصبح بإمكانه بموجب القانون الجديد رفع دعوى أمام المحكمة الإدارية دون توكيل محام مما قد يزيد بشكل كبير من خطر رفع القضية أمام محكمة إدارية غير مختصة. نفس الفراغ القانوني يطرأ حينما تخطر المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر بطلبات ترى أنها من اختصاص المحكمة الإدارية للدرجة الأول ( مثلا إخطارهما بطلبات تتضمن طعن بالبطلان في مقرر صادر عن والي الولاية) ، أو كذلك عندما يخطر مجلس الدولة بطلبات يراها من اختصاص المحكمة الإدارية . في غياب نص صريح يعالج هذه الإشكالات ، ، فلا يسع للمحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر أو لمجلس الدولة سوى إصدار قرار يقضي بعدم الاختصاص دون إحالة الملف إلى الجهة القضائية الإدارية التي يروناها مختصة.
كل هذه المسائل المتعلقة بالاختصاص يتم تسويتها عن طريق الإحالة في الحالة التي تتمسك المحكمة الإدارية المحال إليها القضية باختصاصخا و تقبل الفصل في الطلبات . أما إذا رفضت هذه المحكمة الإدارية التمسك باختصاصها ، فسينشأ حينئذ تنازع الاختصاص يتم تسويته وفقا لأحكام لمادة 808 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية . إجراءات تسوية هذا النوع من التنازع تختلف حسب طبيعة الجهة القضائية التي صرحت بعدم اختصاصها:
- يؤول الفصل في تنازع الاختصاص بين محكمتين إداريتين تابعتين لدائرة اختصاص نفس المـحكمة الإدارية للاستئناف إلى رئيس هذه الأخيرة،
- يؤول الفصل في تنازع الاختصاص بين محكمتين إداريتين تابعتين لاختصاص محكمتين إداريتين للاستئناف إلى رئيس مجلس الدولة،
- يؤول الفصل في تنازع الاختصاص بين محكمة إدارية ومحكمة إدارية للاستئناف إلى رئيس مجلس الدولة،
- يؤول الفصل في تنازع الاختصاص بين محكمتين إداريتين للاستئناف أو بين محكمة إدارية للاستئناف ومجلس الدولة إلى اختصاص هذا الأخير بكل غرفه مجتمعة.
أمام تزايد عدد الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية القاضية بعدم الاختصاص وهي ظاهرة جد شائعة يلاحظها المحامون في كل جلسات النطق بالأحكام ، ونظراً لما تسببه هذه الأحكام من إزعاج و قلق للمتقاضين الذين يتكبدون تكاليف و أضرار قد تكون غير قابلة للإصلاح أو التدارك إذ يتعين عليهم إعادة الإجراءات برمتها و أحيانا بعد انقضاء الأجل القانوني، فضلاً على أن هذا النوع من الأحكام تتعارض مع بعض المبادئ الأساسية للتقاضي الإداري لا سيما مع المفهوم الموحد للنظام القضائي الإداري، و قاعدة حظر أحكام عدم الاختصاص و كذا مع قاعدة إلزامية إحالة القضية إلى الجهة القضائية المختصة ، فإنه من المستحسن، لحماية المتقاضين بشكل أفضل، إصلاح قانون الإجراءات المدنية والإدارية في الفصل المخصص لتسوية مسائل الاختصاص . يجب أن يكرس هذا الإصلاح مبدأ حظر أحكام عدم الاختصاص و كذا تكريس قاعدة إلزامية إحالة الملف بالنسبة لكل الجهات القضائية الإدارية دون استثناء.
يجب أن يهدف هذا الإصلاح إلى وضع آليات تتوافق مع الإصلاح الذي وقع في سنة 2022 و الذي أنشأ المحاكم الإدارية للاستئناف. هذه الآليات الجديدة التي ستتمم المادتين 813 و814 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية يجب أن تكرس مبدأ إعادة توجيه ملف القضية بعد الحكم بعدم الاختصاص و تمكين الجهة القضائية الإدارية المرفوع إليها القضية تحديد من هي الجهة القضائية المختصة مع إحالة الملف إليها مباشرة دون تدخل الأطراف ما عدا إخطارهم بتوكيل محام أمام المحكمة الإدارية للاستئناف أو أمام مجلس الدولة . و يرجع حينئذ للجهة القضائية المختصة إخطار الأطراف برقم تسجيل الملف و بالإجراءات الواجب إتباعها . كونها تدابير إدارية قضائية، فإن القرارات التي تسوي هذه المسائل المتعلقة بالاختصاص تتخذ في الشكل أوامر غير معللة يتم تبليغها للأطراف.
كما سبق عرضه فإن الحالتين الوحيدتين المنصوص عليهما في قانون الإجراءات المدنية والإدارية هما إخطار محكمة إدارية أو مجلس الدولة بطلبات ليست من اختصاصهما والتي يتم تسويتها عن طريق الإحالة إلى المحكمة الإدارية للاستئناف (ق.إ.م.إ.، م. 813 و 814) ). باقي حالات إخطار جهة قضائية إدارية عن خطأ و التي لم يعالجها المشرع هي حالات متعددة و متنوعة . أولًا قد تخطر محكمة إدارية عن خطأ بقضية هي إما من اختصاص إقليمي لمحكمة إدارية أخرى و إما من اختصاص المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر . كذلك قد ترفع عن خطأ طلبات إلى المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر فيما أن هذه الطلبات من اختصاص المحكمة الإدارية للدرجة الأولى..قد يقع و لو نادرا أن ترفع عن خطأ طلبات إلى مجلس الدولة فيما أن هذه الطلبات من اختصاص المحكمة الإدارية أو المحكمة الإدارية للاستئناف أو المحكمة الإدارية للاستئناف للجزائر. في كل هذه الحالات، ينبغي السماح لرئيس هذه الجهات القضائية إحالة الملف تلقائيا إلى الجهة القضائية للبت في كل أو جزء من النزاع .
سيكون من شأن هذه الآليات المتممة لقواعد تسوية مسائل الاختصاص السماح للجهة القضائية التي رفعت أمامها الدعوى عن خطأ و التي تقضي بعدم اختصاصها تحديد الجهة القضائية الإدارية المختصة مع إحالة الملف لهذه الأخيرة و ذلك من تلقاء نفسها و دون تدخل الأطراف و هذا ما سيسمح التسوية السريعة للمنازعات و تدعيم الأمن القانوني للمتقاضين و ضمان الوصول المريح إلى الجهة القضائية الملائمة.
الأستاذ براهيمي محمد
محامي لدى مجلس قضاء البويرة
brahimimohamed54@gmail.com
الاستعجال في مجال إبرام الصفقات العمومية و العقود الإدارية : الاستعجال ما قبل التعاقد و الاستعجال التعاقدي

يُعد إبرام الصفقات العمومية و العقود الإدارية الأخرى من أهم أنشطة الإدارة التي تترجم العملية التي يختار الأشخاص العموميين بموجبها شركاءهم المتعاقدين.هذه العملية مؤطرة حاليًا بالنسبة للصفقات العمومية بالقانون رقم 23-12 المؤرخ في 5 أوت 2023 المحدد للقواعد العامة المتعلقة بالصفقات العمومية و كذا المرسوم التنفيذي رقم 21-219 المؤرخ في 20 ماي 2021 المتضمن الموافقة على دفتر البنود الإدارية العامة المطبقة على الصفقات العمومية للأشغال. ارتكازا على بعض المبادئ الأساسية مثل حرية الوصول إلى الطلبات العمومية و المساواة في معاملة المرشحين و شفافية الإجراءات ، فإن الصفقات العمومية تهدف إلى ضمان المنافسة العادلة و التسيير المثالي للمال العام.
هذه المبادئ العامة نص عليها صراحة القانون رقم 23-12 المؤرخ 5 أوت 2023 المحدد للقواعد العامة المتعلقة بالصفقات العمومية . هذه المبادئ وردت في المادة 5 من هذا القانون التي تنص على أنه لضمان نجاعة الصفقات العمومية و الاستعمال الحسن للمال العام ، فإن إبرام الصفقات العمومية يخضع لمبادئ حرية الوصول إلى الطلبات العمومية و المساواة في معاملة المرشحين و شفافية الإجراءات. تبعا لذلك يجب أن يستند تقييم الترشيحات إلى معايير غير تمييزية لها علاقة بموضوع الصفقة و متناسبة مع مداها (م. 43). خصص هذا القانون فصل كامل لشفافية الإجراءات (م. من 46 إلى 48). تطبيقا للمادة 46 يكون اللجوء إلى الإشهار إلزاميا عن طريق النشرة الرسمية لصفقات المتعامل العمومي (BOMOP) و عن طريق الصحافة المكتوبة و الصحافة الإلكترونية. و يكون الإشهار إلزاميا كذلك حسب نفس النص عن طريق البوابة الإلكترونية للصفقات العمومية بالنسبة لأشكال الإبرام.
إصلاح محكمة التنازع : نحو عصرنة تسيير الاختصاصات القضائية

في مقال سابق على هذا الموقع بعنوان " تسوية تنازع الاختصاص في ضوء اجتهاد محكمة التنازع " تناولنا موضوع قواعد عمل هذه الجهة القضائية العليا . محكمة التنازع حديثة النشأة في الجزائر إذ أُنشئت عام 1998 بموجب القانون العضوي رقم 98-03 المؤرخ 3 جوان 1998 المتخذ تطبيقًا للمادة 152 من دستور 1996 .مهمة محكمة التنازع هي الفصل في منازعات الاختصاص بين الجهات القضائية الخاضعة للنظام القضائي العادي و الجهات القضائية الخاضعة للنظام القضائي الإداري. قبل هذا التاريخ، كانت منازعات الاختصاص تخضع لإجراءات خاصة معقدة وردت في قانون الإجراءات المدنية القديم الصادر في سنة 1966 .
القانون العضوي المؤرخ في 3 جوان 1998 نفسه كان يعاني من بعض النقائص و الثغرات جعلته يتعارض مع متطلبات عدالة عصرية و احتياجات المتقاضين، كما لم يعد يتماشى مع الدستور الجديد لسنة 2020 ، و لذلك عرض على البرلمان خلال شهر جانفي 2024 مشروع قانون عضوي يتضمن إصلاح محكمة التنازع للمصادقة عليه. بالنسبة للجهة التي بادرت في تقديم مشروع هذا القانون العضوي أي وزارة العدل، فإن هذا القانون العضوي الجديد يهدف بالخصوص إلى " تعزيز فعالية محكمة التنازع لضمان حقوق المتقاضين، مواصلة مواءمة التشريعات الوطنية مع أحكام الدستور، توضيح بعض أحكام القانون العضوي القديم و إتمام بعضها، تبسيط الإجراءات أمام هذه المحكمة وضمان مزيد من الاستقرار والاجتهاد القضائي ".
عدم قبول الطعن بالنقض في القضايا الجزائية على ضوء مذكرة المحكمة العليا المتضمنة فرز الطعون

أصدرت المحكمة العليا خلال شهر سبتمبر 2024 مذكرة أثارت جدلا ، تتعلق بتسيير عمل غرفة الجنح والمخالفات للمحكمة العليا، موجة لقضاة هذه الغرفة و أقسامها ، و التي بموجبها ستخضع مستقبلا الطعون بالنقض إلى عملية فرز فيما يخص قبولها و ذلك باستعمال تطبيقه رقمية. هذا الابتكار يهدف حسب ما ورد في هذه المذكرة إلى الحد من اكتظاظ القضايا المطروحة أما المحكمة العليا . هذه المنصة الرقمية تقوم بفرز عرائض الطعن بالنقض بصفة آلية بعد مراقبة احترام شروط و إجراءات الطعن بالنقض لا سيما من حيث شكله. تتضمن مذكرة المحكمة العليا 63 حالة لعدم قبول الطعن أو عدم جوازه أو سقوطه و هي الحالات التي سيتم حسب المذكرة توسيعها أو مراجعتها تدريجيا .
تقليديا وتطبيقا لأحكام المواد من 513 إلى 518 من قانون الإجراءات الجزائية فإن إجراءات فحص الطعن بالنقض تتبع المسار الآتي: بعد تسجيل التصريح بالطعن بالنقض أمام أمانة الضبط للجهة الفضائية التي أصدرت القرار المطعون فيه ثم إيداع عريضة تدعيم الطعن بالنقض من طرف الطاعن ، تبلغ هذه العريضة لباقي الأطراف اللذين يودعون بدورهم مذكرة الرد في أجل 30 يوما. بمجرد انقضاء الآجال المقررة لإيداع المذكرات من قبل كل الأطراف ، يقوم أمين الضبط بتشكيل الملف و إرساله إلى النائب العام الذي يحيله بدوره إلى النيابة العامة لدى المحكمة العليا مع جرد بالوثائق . يقوم النائب العام لدى المحكمة العليا بإرسال الملف في ظرف 8 أيام من استلامه إلى الرئيس الأول للمحكمة العليا الذي يحيله بدوره إلى رئيس الغرفة المختصة لأجل تعيين مستشار مقرر . بعدها يناط بالمستشار المقرر توجيه الإجراءات و القيام بالتحقيق في القضية ، و حين ينتهي منها و أصبحت القضية مهيأة للفصل فيها ، يقوم بإيداع تقريره و يصدر قرارا باطلاع النيابة العامة عليه التي بدورها تقوم بإيداع مذكرتها الكتابية في ظرف 30 يومًا من استلام ذلك التقرير . حينئذ تقيد القضية بجدول الجلسة مع تحديد تاريخها بمعرفة رئيس الغرفة و بعد استطلاع رأي النيابة العامة.
طبيعة الحكم الصادر في قضايا الشفعة : تعليق على قرار

أصدر مجلس قضاء البويرة الغرفة العقارية قرارا مؤرخا في 29/04/2025 فصل في قضية تتعلق بالشفعة على عقار أقر قاعدة قد تؤثر بشكل متفاوت على مآل هذا النوع من القضايا . هذه القاعدة مفادها أن الحكم الفاصل في قضايا الشفعة هو حكم ابتدائي و نهائي يكون غير قابل للاستئناف . في الواقع أسباب هذا القرار ليس اجتهادا شخصيا لقضاة المجلس بل هو تطبيق لقرار أصدرته المحكمة العليا الغرفة العقارية بتاريخ 15 جوان 2017 ملف رقم 1064516 فصل في قضية مماثلة أقرت فيها قاعدة عدم قابلية حكم الشفعة للاستئناف.
قبل مناقشة مسألة قابلية أحكام الشفعة للاستئناف من عدمه سنعرض بإيجاز منظومة الشفعة في بيع عقار و الإجراءات التي تخضع لها.
الشفعة هي رخصة تبيح للشخص الذي له صفة معينة قانونا ( مالك الرقبة ، شريك في الشيوع ، صاحب حق الانتفاع ) أن يسترد ملكية عقار تم بيعه للغير و ذلك بنفس الثمن و الشروط التي تم بها البيع . الشفعة التي تفرض جبرا على المشتري هي إذا سبب من أسباب كسب الملكية العقارية و تعد استثناء لمبدأ حرية التعاقد و التصرف في الملكية. تطرق التشريع الجزائري لمسألة الشفعة في المواد من 794 إلى 807 من القانون المدني. حسب المادة 794 من هذا القانون فإن الشفعة هي : " رخصة تجيز الحلول محل المشتري في بيوع العقار ".
المنازعات المتعلقة بالمنقولات و العقارات : حالة تزاحم المشترين لنفس العقار و المفاضلة بينهم

كثيرا ما تطرح أمام القاضي منازعات حول ملكية منقول أو عقار و يدفع كل واحد من المتخاصمين بملكيته لهذا المنقول أو العقار. إذا تعلق الأمر بعقار (قطعة أرضية ، مسكن ، محل ...) فقد يقع أن يقوم مالكه ببيعه لعدة مشترين.هذه الحالة للبيع المتتالي لنفس العقار من نفس البائع تقع مثلا في حالة ما قام مالك العقار ببيعه لشخص بعقد بيع كتابي و لو كان توثيقي و لكن دون شهره في المحافظة العقارية ، ثم يقوم لاحقا ببيع نفس العقار لشخص آخر بعقد توثيقي مشهر. كون البيع الأول تم بموجب عقد غير مشهر فإن هذا العقد بقي عقدا ناقصا لا ينقل الملكية أللمشتري كونه غير مشهر في السجل العقاري و هذا ما يمنح فرصة للبائع بإعادة بيع نفس العقار لشخص آخر دون أن يتفطن هذا الأخير بالبيع الأول. يمكن كذلك تصور قيام البائع ببيع عقار لمشتري أول بعقد محرر أمام موثق ثم يقوم ببيع نفس العقار لمشتري ثان بعقد محرر أمام موثق آخر ثم يقوم كلا الموثقين بإيداع عقدهما أمام المحافظة العقارية لمكان تواجد هذا العقار بغرض شهرهما فهنا كذلك سيطرح إشكال أولوية العقد الذي يجب شهره . كذلك قد يقوم مورث بنقل ملكية عقار لشخص قبل وفاته ، و بعد وفاة المورث تنتقل تركته بما فيه العقار المبيع ( الغير المشهر) إلى الوارث أو الورثة ثم يقوم الوارث ببيع نفس العقار الذي سبق أن باعه مورثه لمشتري آخر ، و حينئذ يقع تزاحم بين المشتري من المورث و المشتري من الوارث.
إشكالية عدم استقرار الاجتهاد القضائي : تدخل المحكمة العليا

في سابقة ملفتة للانتباه أصدرت الرئاسة الأولى للمحكمة العليا مؤخرا مذكرة ذات أهمية متميزة من شأنها جعل حد أو على الأقل التقليل من الارتباك الملاحظ في الأحكام و القرارات الصادرة عن بعض الجهات القضائية السفلى التي كثيرا ما تبتعد عن تطبيق مبادئ الاجتهاد القضائي رغم استقرارها و تكريسها من قبل المحكمة العليا ،بل أحيانا فإن حتى بعض قرارات هذه الجهة القضائية العليا نفسها صدرت خرقا لما استقر عليه اجتهادها القضائي.
الاجتهاد القضائي la jurisprudence هو مصطلح يعبر عن دأب الجهات القضائية على تطبيق قاعدة قانونية une règle de droitبشكل معين. لتعيين قاعدة قانونية على أنها اجتهادا قضائيا يجب أن تتوفر في الحكم القضائي بعض شروط : التكرار في الزمن و تشابه الحلول التي يحيل إليها هذا الحكم . و مع ذلك و نظرا لفصل السلطات و لمبدأ سلطة الشيء المقضي فيه فإنه لا يجوز للقاضي أن ينشأ مباشرة القانون إذ أن هذه الوظيفة مخصصة للمشرع.
و لكن قد يقع أن يكون القانون صامتا ، مبهما أو ناقصا ، فيما أنه يجب على القاضي الفصل في النزاع المطروح أمامه عن طريق قاعدة قانونية مستخرجة من تفسير أو تكييف نص قانوني ، بل في بعض الحالات قد تكون هذه القاعدة القانونية لا يحكمها أي نص قانوني صريح. القاضي ملزم بالفصل في النزاع ، و إذا امتنع عن الفصل فإن ذلك سيعتبر امتناعا عن الحكم اعتبرته المحكمة عليا عيبا جوهريا و من النظام العام يترتب عليه البطلان. قضت المحكمة العليا أنه يعتبر كامتناع عن الحكم ، قرار المجلس القضائي الذي رفض الدعوى الأصلية على الحال ( القرار الصادر عن الغرفة المدنية القسم الأول بتاريخ 03 أبريل 2001 - ملف رقم 246329 المنشور بالمجلة القضائية لسنة 2002 عدد 1 صفحة 161 ؛ القرار الصادر عن غرفة الأحوال الشخصية بتاريخ 21 نوفمبر 2000 ملف رقم 251660 المنشوربالمجلة القضائية لسنة 2001 عدد 1 صفحة 287) أو الذي يصرف الأطراف لما يروناه مناسبا (القرار الصادر عن الغرفة العقارية الرابعة بتاريخ 23 جوان 2004 ملف رقم 26299 المنشوربمجلة المحكمة العليا لسنة 2007 عدد 1 صفحة 401). أكثر من ذلك فإن القاضي الذي يمتنع عن الفصل في النزاع قد يتعرض لمتابعة جزائية إذا أصر على ذلك رغم تنبيهه و هذا طبقا لأحكام المادة 136 من قانون العقوبات.
حق الولوج للوثائق الإدارية : بين القانون و الواقع

في كثير من الأحيان يواجه المواطن صعوبات في الحصول على الوثائق التي تحتفظ بها الإدارات وغيرها من الهيئات أو المؤسسات العمومية على الرغم من أن القانون يضمن حق الولوج إلى هذه الوثائق ويكرس مبدأ حق المواطن في الحصول على المعلومات الإدارية. يتم إعلام المواطنين بالتنظيمات والتدابير التي تصدرها الإدارة إما بالنشر في الجريدة الرسمية أو عن طريق الصحافة أو النشر في الأماكن العمومية، أو بتبليغ الشخص المعني عندما يتعلق الأمر بقرارات فردية أو كذلك بتبليغ أي معلومة أو مستند في حوزة الإدارة يطلبها المواطن.
المرسوم رقم 88-131 المؤرخ في 4 جويلية 1988 المنظم للعلاقات بين الإدارة و المواطن هو الذي أقر حق ولوج المواطن إلى الوثائق والمعلومات الإدارية. كرس هذا المرسوم حقا عاما يطبق على جميع الوثائق الإدارية ما لم ينص قانون خاص على استبعاد وثيقة معينة من هذا الحق .عرف الأمر رقم 21-09 المؤرخ في 08/06/2021 المتعلق بحماية المعلومات و الوثائق الإدارية مفهومي " الوثيقة " و " المعلومات " . تتمثل الوثيقة في المراسلات و المحررات و المستندات التي أنشأتها أو حصلت عليها أي من السلطات المعنية أثناء ممارسة نشاطها . و أما المعلومات فتتمثل في أي حدث أو خبر مهما كان مصدره كوثيقة أو صورة أو شريط صوتي أو سمعي بصري أو محادثة أو مكالمة هاتفية.
رغم أن مبدأ الولوج الحر إلى الوثائق الإدارية قد تم إقراره في الجزائر على شكل مرسوم وليس على شكل نص تشريعي و يشير إلى " الإدارة " دون تمييز و هو الأمر الذي قد يقيد نطاق تطبيقه و يستثني هيئات القانون الخاص المكلفة بتسيير مرفق عام التي تحتفظ هي كذلك بكمية كبيرة من الوثائق الإدارية، فإن ذلك لا ينزع لهذا المرسوم أهميته المتميزة علما أنه موقع من طرق رئيس الجمهورية. الملاحظ أن المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 المنشور في الجريدة الرسمية في طبعتها العربية و الأصلية يتكلم عن العلاقات بين الإدارة و " المواطن " citoyen فيما أن الجريدة الرسمية في طبعتها المترجمة إلى اللغة الفرنسية تتكلم عن علاقات الإدارية مع " المتعامل مع الإدارة " administré الذي يؤدي معنى العلاقة التبعية و الخضوع للإدارة . كون النص المنشور بالجريدة الرسمية في طبعتها العربية هو النص الرسمي الذي يجب تطبيقه فإنه يجب قراءة المرسوم المؤرخ في 4 جويلية 1988 قراءة واسعة فيجوز لأي مواطن الاحتجاج بنصوصه.
تعليق على أبرز قرارات المحكمة العليا المنشورة خلال سنة 2024
ٍ
صدر عن المحكمة العليا آخر المجلات التي اعتادت نشرها " مجلة المحكمة العليا " تضمنت قرارات ملفتة للانتباه فصلت في مسائل قانونية و إجرائية ذات أهمية متميزة و يتعلق الأمر بالعدد الثاني لسنة 2022 و العدد الأول لسنة 2023 ، و هتين المجلتين متوفرتين على الموقع الالكتروني للمحكمة العليا.
- المسؤولية الطبية
في مجال المسؤولية الطبية الناتجة عن الخطأ قضت المحكمة العليا (قرار بتاريخ 17 أكتوبر 2022، ملف رقم 1483290) أن العيادة الطبية تتحمل المسؤولية عن الأضرار المادية و الجمالية و أضرار التألم الناتجة عن عملية جراحية أجرتها لمريض مصاب بداء السكري رغم علمها بوضعه الصحي الذي قد يشكل عائقا على نجاحها . في هذا الملف يتعلق الأمر بعيادة طبية أجرت عملية تركيب طاقم أسنان على شخص تسبب في تعفن الفك العلوي لفمه أدى إلى سقوط عدة أسنان مزروعة. الخبرة التي أمرت بها الجهة القضائية عاينت أن العيادة التي أجرت العملية كانت على دراية بمرض السكري الذي كان يعاني منه المعني و كان بإمكانها تفادي إجراء عملية تركيب طاقم الأسنان الذي كان سببا في تعفن الفم.
الملفت للانتباه أن المحكمة العليا و بصفة عرضية حملت العيادة الطبية خطأ عدم إعلامها مسبقا المريض بالتداعيات الصحية المحتملة في حالة إجراء له عملية تركيب طاقم الأسنان و هو الالتزام بالإعلام المنصوص عليه في المادة 23 من القانون قم 18-11 المؤرخ في 02/07/2018 المتعلق بالصحة التي تنص : " يجب إعلام كل شخص بشأن حالته الصحية و العلاج الذي تتطلبه و الأخطار التي يتعرض لها " .
تبليغ و إرسال الوثائق و الإجراءات القضائية من طرف الجهات القضائية الإدارية عن طريق خدمة الرسائل القصيرة: إجراء غير قانوني ؟

على غرار الأنظمة القضائية الأكثر تقدما، أجاز المشرع الجزائري تبليغ و إرسال الوثائق والإجراءات القضائية بالطريق الالكتروني . فتطبيقا للمادة 9 من القانون رقم 15-03 المؤرخ في 1 فيفري 2015 المتعلق بعصرنة العدالة : " فضلا عن الطرق المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية و الإدارية و قانون الإجراءات الجزائية في هذا المجال ، يمكن أن يتم تبليغ و إرسال الوثائق و المحررات القضائية و المستندات بالطريق الالكتروني ". نفس القانون ( المادة 4 ) ينص : " يمكن أن تمهر الوثائق و المحررات القضائية التي تسلمها مصالح وزارة العدل و المؤسسات التابعة لها و الجهات القضائية بتوقيع الكتروني تكون صلته بالمحرر الأصلي مضمونة بواسطة وسيلة تحقق موثوقة ".