CABINET M.BRAHIMI , Avocat

إنهاء التمييز بين العمال الأجراء و العمال غير الأجراء في حساب و تصفية معاشات التقاعد ( تعليق على قرار للمحكمة العليا)

mohamed brahimi By On 22/05/2023

Image cour supreme

أصدرت المحكمة العليا في غرفتها الإجتماعية  القسم الأول قرارا مؤرخا في 06 يناير 2022 ملف رقم 1516848  يشكل سابقة متميزة  سيستفيد منه العمال الغير الأجراء لا سيما الأشخاص   الذين  يمارسون نشاطا  لحسابهم الخاص  و ذلك في مجال حساب و تصفية معاشات التقاعد الجديدة . تطبيق القضاء الذي كرسه هذا القرار سيترتب عليه  رفع  مبلغ منحة التقاعد  المستحقة لغير الأجراء  المؤمن لهم  إلى قرابة  الضعف.

 المعروف أن العمال  غير الأجراء  و الأشخاص اللذين  يمارسون  لحسابهم الخاص نشاطا حرا صناعيا أو تجاريا أو مهنيا  أو فلاحيا أو أي نشاط  آخر مماثل  المنتمين  إلى  الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لغير الأجراء (CASNOS أن منحة التقاعد التي يستفيدون بها  تختلف من حيث حساب نصابها و قيمتها عن تلك التي يستفيد منها العمال الأجراء المنتمين إلى الصندوق الوطني للتقاعد( CNR) .في حين يتم احتساب معاش تقاعد العمال الأجراء المنتمين إلى صندوق الوطني للتقاعد على أساس نسبة  التضخم و تحيين الأجور المعتمدة كأساس لحساب المعاشات  و المنح الجديدة ، فإن  الأشخاص  الذين  يمارسون نشاطا  لحسابهم  الخاص غالبا ما ترفض طلباتهم  من طرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لغير الإجراء الرامية إلى تطبيق نفس النظام المطبق على معاش تقاعد العمال الأجراء و ذلك بحجة أن هذا النظام يطبق على العمال  الأجراء دون العمال غير الأجراء.    

 

في القضية التي عرضت على الغرفة الإجتماعية للمحكمة العليا و التي  صدر فيها القرار المؤرخ في  06 يناير 2022 كان الأمر يتعلق بشخص يعمل لحسابه الخاص (خبير - محاسب) ينتمي إلى  الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لغير الإجراء  الذي ، و بعد أن بلغ سن التقاعد القانوني بعد 30 سة من الاشتراكات ،  قدم  طالبا لهذا الصندوق بغرض إفادته بمنحة التقاعد. بعد دراسة ملفه ، أخطر  الصندوق  المؤمن له بقرار استفادته بمنحة تقاعد  على أساس مبلغ  32 130,41  دينارًا شهريا  و لكن دون تفعيل إجراء  إعادة تقييم  و تحيين مداخله  السنوية  لعشر السنوات الماضية الأخيرة الأمر الذي أدى إلى تخفيض مبلغ معاشه إلى النصف تقريبا.

بعد استلامه الإخطار بمنح معاشه ، قدم المستفيد شكوى أمام اللجنة المحلية المؤهلة للطعن المسبق للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لغير الإجراء  لولاية تيزي وزو نازع فيها طريقة حساب منحته من طرف هذه الهيئة و طلب الاستفادة من النصوص القانونية التي تنص على تحيين الأجور و المداخيل المهنية  في حساب منحة التقاعد  و  إثر  عدم تلقيه أي رد قدم  طعنا  أمام اللجنة الوطنية للطعن المسبق التي أيدت ضمنيا قرار لجنة  الطعن المحلية.   

بعد رفض  طعنه من طرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لغير الإجراء ،  رفع المؤمن له النزاع أمام القسم الاجتماعي  لمحكمة تيزي وزو. بموجب حكمين قبل الفصل في الموضوع متتاليين مؤرخين في  9 أبريل 2015 و 21 يوليو 2016 عينت  المحكمة خبيرين  كلفا  بتحديد  مبلغ  معاش التقاعد المستحق .  أكد كلا الخبيرين المعينين من طرف المحكمة  قانونية  طلب المؤمن له  الرامي إلى الأخذ بعين الاعتبار تحيين مداخله السنوية  في حساب نصاب معاش التقاعد  و حددا  مبلغ معاشه على هذا الأساس. بموجب حكم  فاصل في الموضوع مؤرخ في  15 مارس 2018 ، صادقت محكمة تيزي  على تقريري الخبير  فرفعت  مبلغ المعاش من32 130,41  دينارًا  إلى  47 293,61 دينارًا  يسري من تاريخ سريان هذا المعاش.  

رفع  الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لغير الأجراء استئناف في حكم  محكمة تيزي وزو المؤرخ في 15 مارس 2018 و إثره أصدر  مجلس قضاء تيزي وزو  قررا مؤرخا في 09 سبتمبر 2018  قضى بإلغاء الحكم المستأنف  والتصدي من جديد بعدم قبول دعوى  المؤمن له الأصلية  شكلا  لسبق أوانها و ذلك على أساس أن المادتين 4  و 15 من القانون رقم 08-08 المتعلق بنزاعات الضمان الاجتماعي  تلزم رفع الدعوى أمام المحكمة الاجتماعية  بعد انقضاء  أجل  الشهرين و هو الأجل المقرر  لللجة الوطنية للطعن المسبق للبت في الطعن المرفوع إليها   و  حسب المجلس  فإن المؤمن له رفع دعواه قبل انقضاء هذا الأجل.

رفع المؤمن له طعن بالنقض ضد  قرار مجلس قضاء تيزي وزو  المؤرخ في 09 سبتمبر 2018  و فصلا في هذا الطعن أصدرت المحكمة العليا قرارا مؤرخا في 07 نوفمبر 2019 قضى بالنقض و الإحالة  أمام نفس المجلس و ذلك على أساس أنه   خلافا لما  قضى به المجلس فإن المادة 15  تشترط  رفع الدعوى  أمام المحكمة الإجتماعية  خلال أجل الشهرين يسري من تاريخ تقديم الطعن أمام  اللجة الوطنية للطعن المسبق و ليس بعد انقضاء هذا الأجل .

إثر صدور قرار المحكمة العليا المؤرخ في  07 نوفمبر 2019 القاضي بالنقض و الإحالة أرجع المؤمن له الدعوى بعد النقض أمام  مجلس قضاء تيزي وزو الذي أصدر قرارا مؤرخا في  13 سبتمبر 2020 قضى مرة أخرى بإلغاء الحكم المستأنف الصادر عن محكمة تيزي وزو  المؤرخ في  15 مارس 2018 و لكن هذه المرة لأسباب موضوعية مفادها أن نظام حساب معاش التقاعد  يطبق فقط على العمال  الأجراء  دون العمال غير الأجراء فالمؤمن له  الذي   يمارس مهنة حرة كخبير محاسب لا يستفيد حسب المجلس  بقاعدة تحيين مداخله السنوية من أجل حساب نصاب هذا المعاش.

رفع المؤمن له طعنا بالنقض أمام المحكمة العليا ضد  قرار مجلس قضاء تيزي وزو  المؤرخ في  13 سبتمبر 2020 و فصلا في هذا الطعن أصدرت المحكمة العليا قرارا مؤرخا في 06 يناير 2022  قضى بالنقض و الإحالة أمام نفس المجلس   للفصل في القضية  طبقا للقانون و   للمسألة القانونين التي فصل فيها قرار النقض و هو القرار موضوع هذا التعليق.

قرار المحكمة العليا المؤرخ في   06 يناير 2022 بطل و نقض قرار مجلس قضاء تيزي وزو  المؤرخ في  13 سبتمبر 2020 بعد فصله في مسألة قانونية  و من ثمة فإن  مجلس قضاء   تيزي وزو  الذي ستطرح  أمامه  الدعوى بعد النقض يكون ملزما  بتطبيق  هذه  المسألة  القانونية المفصول فيها و هذا عملا بأحكام المادة 374 من  قانون الإجراءات المدنية و الإدارية.  

المسألة التي  عرضت على   محكمة تيزي وزو  ثم على مجلس قضاء تيزي وزو  هي معرفة  ما إذا كان نص المادة 43 من القانون رقم 99-03  المؤرخ في 22 مارس 1999  المعدل و المكمل  للقانون رقم 83-12 المؤرخ في 2 يوليو 1983 المتعلق بالتقاعد والذي ينص على  قاعدة تحيين الأجور عند تصفية  معاشات التقاعد  الجديدة ، يطبق دون تمييز على  العمال  الأجراء و على العمال غير الأجراء بما فيهم الأشخاص الذين يمارسون نشاطا  لحسابهم الخاص . الإجابة عن هذا السؤال ستكون لها تداعيات هامة على المستفيدين من معاشات التقاعد   التي  سيرتفع مبلغها أو سيتقلص حسب  المعيار المطبق.

طبقا للمادة  43 سالفة الذكر: " ترفع قيمة معاشات التقاعد و منحه  ابتداء من أول ماي  من كل سنة بقرار من الوزير المكلف بالضمان الاجتماعي  بناء على اقتراح مجلس إدارة هيئة التقاعد . هذا القرار يحدد: -1 معامل التحيين المطبق على الأجور المعتمدة  كأساس لحساب المعاشات الجديدة 2- معامل رفع القيمة المطبق على المعاشات و المنح المصفاة ".  مبدئيا فإن تحديد  معامل التحيين  المطبق على الأجور المعتمدة  كأساس لحساب  معاشات التقاعد  الجديدة يتم  لمدة معينة عادة سنة أو سنتين عن طرق قرار يصدره وزير العمل و التشغيل و الضمان الاجتماعي فبالنسبة لسنتي 2021 و 2022  مثلا فان هذا الإجراء تخذ بموجب القرار الوزاري المؤرخ في 20 أبريل 2022.

في نظر  قضاة  القرار المؤرخ في 13 سبتمبر 2020  الصادر عن مجلس قضاء   تيزي وزو ، فبما أن المادة 43  من القانون رقم 99-03 المؤرخ في 22 مارس 1999 تتكلم  عن " الرواتب" وفي الدعوى  المطروحة أمامهم  فإن الأمر يتعلق  لا  بإعادة تقييم معاش تقاعد  سبق تصفيته  و لكن بمعاش في طور التصفية ، فإن المؤمن له الذي كان يمارس مهنة خبير- محاسب لحسابه الخاص  أي  أنه كان عامل غير أجير يكون غير معني بتطبيق هذه المادة  ، وبالتالي فإن  دعواه الرامية  إلى تصفية معاشه  بعد تحيين مداخله المتخذة  كأساس لحساب هذا المعاش هي دعوى غير مؤسسة.  

 لا شك أن  ما قضى به مجلس قضاء تيزي وزو في قراره المؤرخ في 13 سبتمبر 2020   يتعارض في نفس الوقت مع  روح  القوانين المتعلقة بالتأمينات الاجتماعية  و التقاعد  و  كذا مع  مبدأ عدم التمييز بين العمال . أولاً  فإن  المادة 43 من القانون رقم 83-12 أدرجت في الفصل الرابع بعنوان " أحكام مشتركة"  مما يعني أنها تنطبق دون تمييز على العمال الأجراء  و على العمال غير الأجراء  المنخرطين في هيئة من هيئات الضمان الاجتماعي . من جهة أخرى فإن  المادة 4  من نفس القانون ( المعدلة بالقانون رقم 96-18 المؤرخ في 06 يوليو 1996 )  تنص   صراحة  أنه : "  يستفيد من هذا القانون الأشخاص المذكورين  في المواد  3 ، 4 و 6  من القانون  رقم 83-11 المؤرخ 2 يوليو 1983 المتعلق بالتأمينات الاجتماعية "  ، ومن بين الأشخاص  المذكورين  في المواد  4 إشير صراحة إلى " الأشخاص الطبيعيون غير الإجراء الذين يمارسون بالفعل لحسابهم الخاص نشاطا حرا صناعيا أو تجاريا تو حرفيا  أو فاتحيا أو أي نشاط آخر مماثل ". بالإضافة إلى ذلك ، فإن التعليمة العامة التطبيقية  لقوانين الضمان الاجتماعي  الصادرة عن وزارة الصحة و الشؤون الإجتماعية  المؤرخة في 10 نوفمبر 1991  و المرفقة بجدول تحديد معامل التحيين المطبق على الأجور المعتمدة  كأساس لحساب المعاشات و المنح الجديدة تنص صراحة في المادة 5  أنه : " يستفيد  الأشخاص  غير الأجراء من الأداءات العينية  و من الضمان عن العجز و الوفاة و التقاعد " . بناء على هذه المعطيات لا سيما  على أساس أن  المادة 43 من القانون يقم 83-12  أدرجت  في الفصل المعنون " الأحكام العامة "  قضت المحكمة العليا  في قرارها  المؤرخ في  06 يناير 2022 بنقض و إبطال قرار مجلس قضاء تيزي وزو  المؤرخ في  13 سبتمبر 2020 بعد معاينتها أن  قاعدة تحيين الأجور في مجال تصفية  معاشات التقاعد الجديدة  تطبق دون تمييز على العمال الأجراء و على العمال غير  الأجراء  و كذا  على الأشخاص المؤمن لهم  الذين يمارسون نشاطا لحسابهم الخاص.

مجلس قضاء تيزي وزو و إثر فصله في دعوى الرجوع بعد النقض  بموجب قرار المحكمة العليا المؤرخ في 06 يناير 2022  ساير ما قضى به هذا القرار  إذ أصدر قرارا مؤرخا في 02 أكتوبر 2022 تراجع عن قضائه السابق و قضى هذه المرة بتأييد الحكم المستأنف الصادر عن محكمة تيزي وزو  و بحسبه ألزم  الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لغير الأجراء  بتيزي وزو بأن يدفع للمؤمن له  منحة تقاعد بمبلغ 47 293,61  دينار تسري من تاريخ استحقاقه لهذه المنحة.

لا شك  أن قرار المحكمة العليا المؤرخ  في  06 يناير 2022   يشكل اجتهادا قضائيا  متميزا و ذو أهمية بمكان في مجال  تصفية معاشات تقاعد  لأشخاص المؤمن لهم الذين يمارسون نشاطا لحسابهم الخاص .  لقد وضع هذا القرار حدا  للتمييز الذي  كان  يعاني منه عدد كبير من متقاعدي  المهن الحرة . للأسف فإنه لا يمكن  لعدد كبير من المتقاعدين الذين تمت تصفية معاشاتهم  الاحتجاج بما قضى به هذا القرار  بسبب التقادم. و مع ذلك  أصبح بإمكان  المؤمن لهم  الذين صفيت  منحهم  منذ أقل من 5 سنوات  و هي مدة التقادم أن  يطلبوا إعادة النظر في قيمتها  عن طريق القضاء.   

الأستاذ براهيمي محمد

محامي لدى مجلس قضاء البويرة

brahimimohamed54@gmail.com