في عدة مناسبات أن خلو عریضة الطعن بالنقض من أي وجه من أوجه الطعن بالنقض الواردة على سبیل الحصر یؤدي إلى التصریح بعدم قبول الطعن بالنقض شكلا ( قرار للمحكمة العليا بتاريخ 1 جوان 2005 ، ملف رقم 302876، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2007 عدد 1 صفحة 603 ). يجب حسب الفقرة الأخيرة من المادة 565 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ألا يتضمن الوجه المتمسك به أو الفرع منه إلا حالة واحدة من حالات الطعن بالنقض بعد تحديدها،و ذلك تحت طائلة عدم قبوله. القانون يشترط تأسيس الطعن بالنقض على أحد الأوجه الثمانية عشر المنصوص عليها في المادة 358 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، فيمنع بذلك الجمع بين وجهين أو أكثر في وجه واحد. فمثلا لو أسس الطعن بالنقض على نقد تسبيب الحكم ، لا يجوز إثارة وجها مأخوذا في نفس الوقت من انعدام و قصور و تناقض الأسباب (قرار للمحكمة العليا بتاريخ 10 نوفمبر 2016،ملف رقم 1118137 منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2016 عدد 2 صفحة 152 ) .و حتى ما إذا رعيت أحكام المادة 565 الفقرة الأخيرة من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية و تأسس وجه الطعن بالنقض على حالة واحدة ، فإن الوجه يكون غير مقبول كذلك إذا تم شرحه خطأ بإثارة مسائل لا علاقة لها بهذا الوجه، فلو حدد الطاعن الوجه على أساس انعدام التسبيب و في شرحه لهذا الوجه تمسك بانعدام الأساس القانوني فإن الوجه المثار يكون غير مقبول ( قرار للمحكمة العليا بتاريخ 8 ماي 2014 ، ملف رقم 878021، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2014 عدد 2 صفحة 450). و يجب طبعا شرح أوجه الطعن بالنقض التي يثيرها الطاعن إذ لا يجب أن تقتصر عريضة الطعن بالنقض على اختيار لعنوان وجه من أوجه الطعن بالنقض المذكورة في المادة 358 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ، و الاقتصار مثلا في عريضة الطعن على القول أن القاضي أغفل قاعدة جوهرية في الإجراءات (قرار للمحكمة العليا بتاريخ 2 سبتمبر 2010 ، ملف رقم 639238، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2010 عدد 2 صفحة 214). عموما بجب أن يكون الوجه أو الأوجه المثارة واضحة و دقيقة حتى يتمكن مجلس الدولة من مراقبة ما إذا كانت مؤسسة بالنظر إلى وقائع و أسباب و مستندات القرار المنتقد( قرار للمحكمة العليا بتاريخ 7 سبتمبر 2016 ، ملف رقم 1003697، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2016 عدد 2 صفحة 236).
كل هذه القواعد التي كرستها المحكمة العليا بالنسبة لشكل عريضة الطعن بالنقض هي مؤسسة على أحكام المادة 565 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية و لكن الملاحظ أن هذا القانون و عند تطرقه للطعن لبالنقض أمام مجالس الدولة فانه لم يحيل بنص صريح إلى هذه المادة ، و مع ذلك فإن مجلس الدولة يطبق هذه المادة على الطعون بالنقض المرفوعة أمامه و هو حال قرار مجلس الدولة المؤرخ في 9 جانفي 2025 ملف رقم 000747 موضوع هذا التعليق إذ أنه و بعد إشارته لنص المادة 565 من قانون الاجرات المدنية و الادارية ، فإنه قضى بعدم قبول عريضة الطعن بالنقض شكلا كونه لا يتضمن عرض لأوجه الطعن بالنقض كما قضى بأن هذا الإغفال لا يمكن تداركه بعريضة تصحيحية لاحقة.
2- الصفقات العمومية
فصل مجلس الدولة في مسألة كثيرا ما تثار من قبل الإدارات المتعاقدة لتبرير عدم تسديد مستحقات المقاول المتعاقد و هو اعتراض المراقب المالي على دفع قيمة الوضعيات أو الفواتير بحجج شتى . في قرار مؤرخ في 6 مارس 2025 ملف رقم 001630 قضى مجلس الدولة أن المتعامل المتعاقد له حق المطالبة بمستحقاته المالية مقابل الأشغال التي أنجزها و أن اعتراض المراقب المالي على دفع هذه المستحقات لا يعفي الإدارة المتعاقدة من التزاماتها القانونية.
اعتبر مجلس الدولة أن المراقب المالي ليس طرفا في العلاقة التعاقدية القائمة بين الإدارة المتعاقدة و المتعامل المتعاقد بل يعد من الغير في هذه العلاقة، و تبعا لذلك قضى أن معارضة المراقب المالي في إجراء تسديد مستحقات هذا المقاول لا يعفي الإدارة من التزاماتها التعاقدية اتجاه هذا المتعامل.
عمليا فإن الحالات التي يلتجئ فيها المتعاملين الاقتصاديين إلى القضاء الإداري بسبب رفض تسديد مستحقاتهم إثر رفض المراقب المالي منح تأشيرته لهذا التسديد هي حالات جد شائعة. في إطار الرقابة المسبقة على نفقات الإدارات و المؤسسات العمومية ، فقد يعارض المراقب المالي عملية صرف و دفع مستحقات المتعامل المتعاقد رغم أن هذا الأخير أنجز الأشغال أو الخدمات المتفق عليها في العقد أو الصفقة. هذا الاعتراض من قبل المراقب المالي قد يكون مؤسسة على نقص أو عدم اكتمال الوثائق الثبوتية ، كغياب الصفقة أو الملحق للصفقة ، أو عدم توفر الاعتمادات المالية أو كفايتها ، أو كذلك لمخالفات شكلية.
مجلس الدولة و في قراره المؤرخ في 6 مارس 2025 قضى بأن معارضة المراقب المالي لا يحول دون استجابة القاضي لطلب المقاول المتعاقد الرامي إلى إلزام الإدارة المتعاقدة بتسديد مستحقاته في حالة ما ثبت أن المتعامل المتعاقد قد أنجز الأشغال أو الخدمات المتفق عليها .رغم أن تأشيرات قرار مجلس الدولة لم تبين نوع الأشغال أو الخدمات المنجزة من قبل المقاول و ما هو سبب معارضة المراقب المالي على تسديد مستحقات المقاول ، فالأكيد أن الأمر يتعلق بأشغال لها صلة بتوزيع المياه لمواطني بلدية ، و أن هذه الأشغال أنجزت بصفة مستعجلة دون إبرام عقد أو صفقة مسبقة و تمت بطلب من رئيس البلدية و بموجب محضر أشغال موقع من قبل هذا الأخير ، كما أن إنجازها الفعلي أثبتها المقاول بموجب كشف كمي و تقديري وقعه رئيس البلدية.
هذا القرار لمجلس الدولة له أهمية بمكان إذ أنه ينصف المتعاملين الاقتصاديين الذين يوافقون بحسن النية على انجاز أشغال أو تقديم خدمات لها طابع استعجالي بطلب من إدارة عمومية (في الدعوى التي فصل فيها قرار مجلس الدولة كان الأمر يتعلق بإصلاح خلل في توزيع المياه لسكان البلدية ). في الواقع فإن قرار مجلس الدولة المؤرخ في 6 مارس 2025 هو استمرار لاجتهاد قضائي سابق كرس مبدأ حرية إثبات العلاقة التعاقدية في الصفقات العمومية و ضرورة تسديد مستحقات المتعامل المتعاقد، متى ثبت أن هذا الأخير أنجز الأشغال أو الخدمات المتفق عليها و لو في غياب عقد كتابي. في قرار مبدئي آخر ( قرار بتاريخ 12 جانفي 2012 ملف رقم 064983 ، منشور بمجلة مجلس الدولة لسنة 2014 عدد 12 صفحة 111 )، قضى مجلس الدولة أن " المقاول لا يتحمل مسؤولية عدم تحرير اتفاقية و تحديد الأسعار للمشروع في حالة عدم حرص الإدارة على التطبيق السليم للتنظيم المعمول به ، فوجود الأمر بالخدمة و إقرار الولاية بإنجاز الأشغال يثبتان قيام العلاقة التعاقدية ".
مجلس الدولة طبق هذه القاعدة دون تمييز على الأشغال الأصلية المنجزة دون إعداد صفقة ، و على الأشغال الإضافية التي أنجزت دون إعداد ملحق للصفقة الأصلية بل طبقها حتى على الأشغال الإضافية التي ينجزها المقاول دون إذن مسبق من الإدارة المتعاقدة ، إذا ثبت أن هذه الأشغال كانت ضرورية لحسن تنفيذ المشروع المشمول بالصفقة الأصلية ( قرار بتاريخ 12 جويلية 2005 ملف رقم 22350 ، منشور بمجلة مجلس الدولة لسنة 2005 عدد 7 صفحة 92) .قضى مجلس الدولة كذلك أنه تلتزم المصلحة المتعاقدة بتسديد مقابل الأشغال الإضافية المنجزة ، متى ثبت أن هذه الأشغال تمت معاينتها في وثيقة الحسم العام النهائي و في محضر الاستلام النهائي و في ملحق الغلق ( قرار بتاريخ 5 ديسمبر 2013 ملف رقم 077702 ، منشور بمجلة مجلس الدولة لسنة 2013 عدد 11 صفحة 89 ) . في سياق آخر رفض مجلس الدولة إبطال ملحق للصفقة الموقعة خارج الأجل القانوني إذ قضى أنه لا يجوز للمصلحة المتعاقدة الاحتجاج بإمضاء ملحق الصفقة العمومية خارج الآجال التعاقدية لتبرير عدم دفع مقابل الأشغال المنجزة (قرار بتاريخ 21 نوفمبر 2013 ملف رقم 078206 ، منشور بمجلة مجلس الدولة لسنة 2013 عدد 11 صفحة 93 ).
3- هدم البنايات الغير المطابقة
من أهم الصلاحيات التي أسندها القانون لرؤساء البلديات ،هي سلطة اتخاذ قرارات هدم البنايات الغير المطابقة . القانون رقم 90-29 المؤرخ في 1 ديسمبر 1990 المتعلق بالتهيئة و التعمير المعدل بالقانون رقم 04-05 المؤرخ في 14 أوت 2004 تضمن نصوص دقيقة تعالج إشكالية البنايات المخالفة لقواعد البناء و التعمير و صلاحيات الإدارة في اتخاذ قرار هدم هذه البنايات.
المادة 76 من القانون رقم 04-05 تمنع الشروع في أشغال البناء بدون رخصة أو إنجازها دون احترام المخططات البيانية التي سمحت بالحصول على رخصة البناء. في حالة انجاز بناية خرقا لمقتضيات المادة 76 من القانون رقم 04-05 ، فإن العون المؤهل يقوم بمعاينة هذه المخالفة و يحرر محضرا يتضمن وقائع هذه المخالفة و تصريحات المخالف. العون المؤهل المخول للبحث و معاينة المخالفات لقواعد التهيئة و التعمير قد يكون عون البلدية المكلف بالتعمير ، كما قد يكون ضابط أو عون الشرطة القضائية أو مفتش التعمير أو موظف إدارة التعمير و الهندسة المعمارية ( المادة 76 مكرر) .آثار و تبعات تحرير محضر المخالفة من طرف العون المؤهل تختلف حسب نوع المخالفة التي تمت معاينتها : قد يتعلق الأمر إما بإنجاز أشغال بناء في غياب رخصة بناء و إما بأشغال أ نجزت بموجب رخصة بناء و لكن دون احترام المخططات البيانية التي سمحت بالحصول على هذه الرخصة.
في الحالة الأولي أي انجاز أشغال بناء دون رخصة بناء ، و هي الحالة المنصوص عليها في المادة 76 مكرر 4 من القانون رقم 04-05 ، فإن محضر المخالفة الذي أعده العون المؤهل يرسل إلى كل من رئيس البلدية و والي الولاية ، و ذلك في أجل لا يتعدى 72 ساعة ، و على رئيس البلدية حينئذ إصدار قرار هدم البناء. في حالة قصور رئيس البلدية ، يتدخل والي الولاية الذي يصدر قرار الهدم في أجل لا يتعدى 30 يوما ، و يرجع إلى مصالح البلدية أو الولاية تنفيذ عملية الهدم . يمكن طبعا للمخالف الذي تقرر هدم البناء الذي أنجزه أن يطعن في قرار الهدم أمام الجهة القضائية المختصة أي المحكمة الإدارية ، و لكن هذا الطعن لا يوقف قرار الهدم فعملية الهدم تستمر ولا تتوقف.
في الحالة الثانية أي انجاز أشغال بناء بموجب رخصة بناء و لكن دون احترام المخططات البيانية التي سمحت بالحصول على هذه الرخصة، و هي الحالة المنصوص عليها في المادة 76 مكرر 5 من القانون رقم 04-05 ، فإن محضر المخالفة الذي يحرره العون المؤهل يرسل إلى وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة أي المحكمة المتواجد في دائرتها البناء محل المعاينة، كما ترسل نسخة منه إلى كل من رئيس البلدية و والي الولاية. و لكن خلفا للحالة الأولى ، فإنه لا يجوز لرئيس البلدية اتخاذ قرار هدم البناء إذ هذه الصلاحية ترجع للمحكمة التي أحال لها وكيل الجمهورية ملف المتابعة، فيرجع للمحكمة بعد إدانة صاحب البناء بالعقوبة المقررة قانونا الأمر إما بهدم البناء كليا أو جزئيا ،و إما أمر المخالف المدان بالقيام بمطابقة البناء دون الهدم.
في قرار مؤرخ في 12 ديسمبر 2024 ملف رقم 001370 ، نقض مجلس الدولة قرار صادر عن المحكمة الإدارية للاستئناف لوهران كونه خالف مقتضيات أحكام المادة 76 مكرر 4 من القانون رقم 04-05. في الدعوى التي فصل فيها قرار مجلس الدولة فإن الأمر يتعلق بإنجاز جدار دون حصول صاحبه على رخصة مسبقة ، و بعد معاينة هذه المخالفة أصدر رئيس البلدية قرار بهدم هذا الجدار. قام صاحب الجدار بالطعن في قرر الهدم أمام المحكمة الإدارية لتلمسان التي أصرت حكم قضى بإلغاء قرار الهدم و إثر استئناف هذا الحكم أمام المحكمة الإدارية للاستئناف لوهران أصدرت هذه الأخيرة قرارا مؤرخا في 02 ابريل 2024 قضى بتأييد الحكم المستأنف.
مجلس الدولة نقض قرار المحكمة الإدارية للاستئناف لوهران لمخالفته المادة 76 مكرر 4 من القانون رقم 04-05 و أحال القضية إلى نفس المحكمة الإدارية للاستئناف بتشكيلة مغايرة للفصل فيها من جديد . عند نظرها من جديد في القضية إثر الإحالة ، فإن المحكمة الإدارية للاستئناف لوهران تكون ملزمة بتطبيق المسألة القانونية التي فصل فيها مجلس الدولة أي تثبيت قانونية قرار رئيس البلدية المتضمن هدم الجدار ما دام أنه أنجز دون رخصة بناء مسبقة.
4- سقوط الخصومة
تطرق مجلس الدولة إلى إشكالية سقوط الخصومة و شروط و مهلة و آثار هذا السقوط و ذلك في قرار مؤرخ في 13جوان 2024 ملف رقم 000066.
سقوط الخصومة هو زوالها بسبب عدم السير فيها بفعل الأطراف أو امتناعهم لمدة سنتين من ٱخر إجراء صحيح فيها . فكرة سقوط الخصومة مرتكزة على المنطق الٱتي : عندما يبقى الأطراف مدة طويلة دون القيام بأي إجراء في الخصومة ، فهذا يعني أن القضية أصبحت لا تهمهم ، مما يفترض معه أن نيتهم هي الوقوف عند الحد الذي وصلت إليه هذه الخصومة.
تطرق قانون الإجراءات المدنية و الإدارية إلى سقوط الخصومة في المواد من 222 إلى 230.
طبقا للمادة 222 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية : " تسقط الخصومة نتيجة تخلف الخصوم عن القيام بالمساعي اللازمة ". و حسب المادة 223 من نفس القانون ، فإن الخصومة تسقط بمرور سنتين من تاريخ صدور الحكم أو صدور أمر القاضي الذي كلف أحد الخصوم القيام بالمساعي، و تتمثل المساعي حسب نفس المادة في كل الإجراءات التي تتخذ بهدف مواصلة القضية و تقدمها ، و مثال ذلك الأعمال التي يقوم بها الخصوم أو ممثليهم أثناء إجراءات الخبرة ، كالرسائل التي يبعثونها للخبير أو تزويده بالوثائق أو بالملاحظات حول النزاع محل الخبرة. .و المساعي التي تكون حاجزا لسقوط الخصومة يجب أن تصدر من الخصوم و ليس من القاضي. فالمراسلات مثلا التي يوجهها الخبير للقاضي لإخباره بالإشكالات التي قد يتعرض لها لا تعتبر من المساعي التي تقطع سريان السقوط.
السقوط يخص كل الخصومات حتى التي تتعلق بالنظام العام أو المتصلة بحقوق غير قابلة للتقادم ، و ذلك لأن السقوط لا يمس أصل الحق بل يخص فقط الإجراءات.و قواعد سقوط الخصومة تطبق أمام كل الجهات القضائية باستثناء مجلس الدولة ، و لكن أمام هذه الهيئة الأخيرة فإنه يجوز التمسك بسقوط الخصومة أمام جهة الإحالة بعد النقض ، و يقضي بالسقوط في هذه الحالة الخاصة إذا امتنع من له مصلحة في إرجاع الدعوى بعد النقض في مدة السنتين المقررة للسقوط تحتسب من تاريخ صدور قرار مجلس الدولة، و هذا ما نصت عليه المادة 229 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية و كرسته المحكمة العليا في عدة مناسبات ، إذ قضت مثلا أنه إذا تعلق الأمر بسقوط الخصومة بعد إحالة القضية بعد النقض ،فإن الحق في رفع هذه الدعوى يكون للطرف الذي له مصلحة في ذلك بعد نهاية مدة سنتين تسري من تاريخ النطق بقرار المحكمة العليا (قرار بتاريخ 27 مارس 2001 ، ملف رقم 201823، ، منشور بالمجلة القضائية لسنة 2001 عدد 1 صفحة 99 ). و طبعا في حالة ما عاينت جهة الإحالة بعد النقض أنه مرت أكثر من سنتين على قرار مجلس الدولة القاضي بالنقض و الإحالة ، فإنها تقضي لا بسقوط قرار مجلس الدولة و لكن بسقوط الخصومة ، و يعيد الأطراف حينئذ إلى الحالة التي كانوا عليها قبل صدور الحكم أو القرار المنقوض ( قرار المحكمة العليا بتاريخ 23 جويلية 2008 ، ملف رقم 427010، ، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2001 عدد 2 صفحة 189).
يطبق سقوط الخصومة طبعا على الأحكام قبل الفصل في الموضوع كونها لا تحتوي تدابير نهائية ،و أما الأحكام القطعية فيسري عليها التقادم المسقط إذا مرت عليها مدة 15 سنة طبقا للمادة 630 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية و المادة 319 من القانون المدني. يجب أن يتعلق الأمر بحكم قبل الفصل في الموضوع، فلو تعلق الأمر بحكم مختلط ، أي حكم يتضمن في منطوقه مسألة فصل فيها نهائيا و يأمر في نفس الوقت بإجراء معين على أن يتم هذا الإجراء بتاريخ لاحق على غرار الحكم القطعي القاضي باعتماد مشروع قسمة على عقار مشاع مع الأمر بإجراء عملية القرعة بين الأطراف ، فإن هذا الحكم لا يجوز طلب إسقاطه و لو مرت سنتين على صدوره ، و ذلك كون عملية القرعة ليست حكما قبل الفصل في الموضوع بل هو تنفيذ للقرار القاضي بإنهاء حالة الشيوع ( قرار بتاريخ 15 ديسمبر 2016،ملف رقم 1024195، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2016 عدد 2 صفحة 156 ) .يجب هنا كذلك التمييز بين حالتين : إذا كان إجراء التحقيق المأمور به فصل في آثار أو تنفيذ التدبير النهائي كالحكم الذي يقضي بتثبيت دين في ذمة المدعى عليه ، و يأمر بإجراء من إجراءات التحقيق بغرض تحديد مقدار هذا الدين، فإن الحكم بكامله يفلت من السقوط. و لكن في غياب أي ارتباط بين الجزء من الحكم الذي فصل في الموضوع و الجزء الٱخر الذي أمر بإجراء من إجراءات التحقيق، فإن السقوط يطبق على الخصومة المتعلقة بالجزء الأخير فقط . بالنسبة للأحكام الغيابية ، فإن أجل السقوط لا يسري إلا بعد تبليغها.و كون سقوط الخصومة يمس بأصل الحق فلا يجوز إثارته أمام قاضي الأمور المستعجلة ( قرار للمحكمة العليا بتاريخ 15 جويلية 2016،ملف رقم 1042080، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2016 عدد 2 صفحة 147 ).
مهلة سقوط الخصومة هي إذا سنتين تحسب من تاريخ صدور الحكم أو صدور أمر القاضي الذي كلف أحد الخصوم القيام بالمساعي .و يسري أجل سقوط الخصومة على أي شخص طبيعي و لو كان ناقص الأهلية ، كما يسري على الدولة و الجماعات الإقليمية و المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية. و تتوقف مهلة سقوط الخصومة بالمساعي التي يقوم بها الأطراف، و لكن قد تتوقف كذلك إثر انقطاعها لسبب من الأسباب المنصوص عليها في المادة 210 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، أي بتغير في أهلية التقاضي لأحد الخصوم، أو لوفاة أحد الخصوم إذا كانت الخصومة قابلة للانتقال ، أو بانتهاء مهمة المحامي أو كذلك بسبب القوة القاهرة (م.229 ق.إ.م.إ.). لا يجوز للقاضي إثارة سقوط الخصومة تلقائيا و هذا ما نصت عليه المادة 225 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية. يجب تحت طائلة البطلان أن يقدم طلب سقوط الخصومة أو أن يحتج به من طرف أحد الخصوم، أي المدعي أو في أغلب الأحيان المدعى عليه ، وهذا خلافا للقاعدة التي كانت سارية في ظل المادة 220 من قانون الإجراءات المدنية القديم التي كانت تشترط أن يصدر طلب سقوط الخصومة من المدعى عليه فقط دون المدعي. المادة 222 الفقرة 2 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تنص أن سقوط الخصومة يقدم إما عن طريق دعوى و إما عن طريق دفع ( قرار للمحكمة العليا بتاريخ 28 ماي 1997 ،ملف رقم 148405، منشور بالمجلة القضائية لسنة 1997 عدد 2 صفحة 42). وإذا قدم طلب سقوط الخصومة على شكل دفع ، يجب حسب نفس المادة أن يثار قبل أية مناقشة في الموضوع ، أي يجب إبدائه ككل الدفوع قبل أي دفاع في الموضوع و إلا قضي بعدم قبوله (قرار للمحكمة العليا بتاريخ 15 جويلية 2016،ملف رقم 1042080، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2016 عدد 2 صفحة 147 ).
نظمت المادة 226 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية ٱثار سقوط الخصومة : " لا يؤدي سقوط الخصومة إلى انقضاء الدعوى،إنما يترتب عليه انقضاء الخصومة و عدم الاحتجاج بأي إجراء من إجراءات الخصومة المنقضية أو التمسك به ". سقوط الخصومة يؤدي إلى اعتبار إجراءاتها كأن لم تكن . وبما أن سقوط الخصومة حسب المادة 226 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية يؤدي فقط إلى زوال أعمال الإجراءات بمفهومها الدقيق ، فيمكن التمسك مثلا بالإقرارات والاعترافات التي أدلي بها ، أو كذلك باليمين التي أديت أثناء الخصومة الساقطة كونها ليست أعمال إجرائية بمعنى الكلمة بل هي أعمال وقعت أثناء الخصومة ، و مع ذلك هناك من يرى أن سقوط الخصومة يشمل المطالبة القضائية بكل ٱثارها الإجرائية والموضوعية (وجدي راغب ، مبادئ القضاء المدني ، صفحة 434 ).
قد تكون آثار السقوط أخطر من الآثار التي أشرنا إليها . ففي الاستئناف ، فإن آثار السقوط لا تقتصر على أعمال الإجراءات بل تمتد إلى أصل الحق نفسه (قرار للمحكمة العليا بتاريخ 5 أكتوبر 1966، منشور بمجلة دليل العدالة لسنة 1966 ، صفحة 384 ). حسب عبارات المحكمة العليا فإن :" السقوط يزيل إجراءات الاستئناف كاملة حيث لا يمكن الاستظهار بالاستئناف الساقط وبالقرارات التي ربما صدرت على مستوى الاستئناف قبل السقوط ، ويكتسي بذلك الحكم المستأنف فيه طابعا نهائيا " (قرار للمحكمة العليا منشور بمجلة مجموعة الأحكام ، الجزء 2 ، صفحة 253 ). هذا الاجتهاد القضائي يتماشى مع المادة 227 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية التي مددت القاعدة كذلك إلى المعارضة : " إذا تقرر سقوط الخصومة في مرحلة الاستئناف أو المعارضة،حاز الحكم المطعون فيه بالاستئناف أو المعارضة قوة الشيء المقضي به حتى و لو لم يتم تبليغه رسميا ".
المادة 227 من قانون الإجراءات المدنية و لإدارية تنص على أن الخصومة تسقط حتى و لو كان حكم الدرجة الأولى لم يبلغ. و أما إذا سقطت الخصومة بسبب عدم إعادة السير في الدعوى بعد النقض في أجل السنتين بعد صدور قرار النقض، أو في حالة عدم قابلية إعادة السير فيها ، فإن ذلك يترتب عليه إضفاء قوة الشيء المقضي به للحكم الصادر في أول درجة عندما يكون القرار المنقوض قد قضى بإلغاء الحكم المستأنف ، و هذا ما نصت عليه المادة 367-3 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية. قضت المحكمة العليا أنه إذا ما نطق القاضي بسقوط الخصومة إثر إعادة السير فيها بعد النقض ، فإنه يكون ملزما تسهيلا للإجراءات بتحديد النتيجة المترتبة على السقوط أي الإشارة إلى أن الحكم الصادر في أول درجة يحوز قوة الشيء المقضي فيه و هو الواجب التنفيذ (قرار للمحكمة العليا بتاريخ 15 ديسمبر 2013 ملف رقم 945851 ، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 213 عدد 2 صفحة 226 )، و هذا الاجتهاد القضائي يطبق بالقياس كذلك في حالة ما قضي بسقوط الخصومة في الاستئناف، إذ على قضاة الاستئناف بعد تثبيتهم سقوط الخصومة الإشارة إلى أن الحكم المستأنف يحوز قوة الشيء المقضي به.
قرار مجلس الدولة المؤرخ في 13 جوان 2024 ملف رقم 000066 ساير عموما قواعد سقوط الخصومة التي كرستها المحكمة العليا ، غير أن الملاحظ أن مجلس الدولة ، وحرصا منه على الحفاظ على مواصلة الخصومات ، وسع نطاق الأعمال و الإجراءات التي تقطع سريات مهلة سقوط الخصومة. المحكمة العليا اعتبرت أن الإجراء الذي يقطع ميعاد السقوط هو الإجراء الذي يقوم به الخصم في مواجهة الخصم الآخر ، و من ثمة فإن إجراء تسليم نسخة من الحكم للخبير أو دفع مبلغ التسبيق أو إيداع تقرير الخيرة لا يعد إجراءا قضائيا بل هو إجراء إداري لا يقطع ميعاد السقوط (قرار للمحكمة العليا بتاريخ 16 جوان 2016 ،ملف رقم 999726 ، منشور بمجلة المحكمة العليا لسنة 2016،عدد 2 صفحة 142 ) . مجلس الدولة و في قراره المؤرخ في 13 جوان 2024 اعتبر أن كل إجراء يتخذ من قبل أحد الأطراف بهدف مواصلة الخصومة يترتب عليه قطع سريان مهلة السقوط ، كدفع تسبيق مصاريف الخبرة ،أو تبليغ الخبير بنسخة من الحكم قبل الفصل في الموضوع ، أو تقديم طلب استبدال الخبير. ذهب مجلس الدولة إلى أبعد من ذلك إذ اعتبر أنه حتى في حالة ما أودع الخبير تقريره بعد انقضاء مهلة السنتين ،و كان الطرف قد قام بالمساعي قبل انقضاء مهلة السقوط ، فإن هذا الطرف يكون غير مسئول عن عدم انجاز الخبير لمهامه فلا يجوز للطرف الآخر الدفع بسقوط الخصومة.
5- تفويض المرفق العام
حدد المرسوم التنفيذي رقم 18-199 المؤرخ في 2 أوت 2018 شروط وكيفيات تفويض المرفق العام للجماعات الإقليمية. اتخذ هذا المرسوم التنفيذي تطبيقا لأحكام المادتين 207 و 210 من المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية و تفويضات المرفق العام. رغم أن المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المؤرخ في 16 سبتمبر 2015 قد تم إلغائه و عوض بالقانون رقم 23-12 المؤرخ في 5 أوت 2023 المحدد للقواعد العامة المتعلقة بالصفقات العمومية، فإن هذا المرسوم التنفيذي يبقى ساري المفعول إلى غاية نشر نص تنظيمي جديد و هذا طبقا للمادة 112 من القانون رقم 23-12.
تطرق مجلس الدولة في قرار أول مؤرخ في 13 فيفري 2025 ملف رقم 001850 ، إلى نوع الطعن الذي يجب مباشرته من قبل المفوض له ضد قرار فسخ اتفاقية تفويض المرفق العام المتخذ من جانب واحد من قبل السلطة المفوضة. منح القانون للسلطة المفوضة سلطة فسخ اتفاقية تفويض المرفق العام من جانب واحد ، و قد يتقرر هذا الفسخ إما بسبب إخلال المفوض له بالتزاماته ، و إما بسبب حالة القوة القاهرة أو قصد ضمان استمرارية المرفق العام و الحفاظ على الصالح العام. في الحالة الأولى فإن الفسخ يتم دون تعويض المفوض له ، و أما في الحالة الثانية يتم الفسخ مقابل تعويض ( المادة 62 من المرسوم التنفيذي).في كلتا الحالتين يجوز للمفوض له منازعة قرار فسخ اتفاقية تفويض المرفق العام المتخذ من جانب واحد من قبل السلطة المفوضة. يرفع هذا النزاع أمام المحكمة الإدارية عن طريق دعوى الكامل و ليس عن طريق دعوى الإلغاء.
في الدعوى التي فصل فيها قرار مجلس الدولة المؤرخ في 13 فيفري 2025 ملف رقم 001850 تتعلق القضية بنزاع حول عقد تسيير سوق الجملة للخضر و الفواكه الذي يعد أحد أشكال تفويض المرفق العام ، أبرم بين بلدية و شركة خاصة . إثر خلاف بين المتعاقدين أصدر رئيس البلدية قرارا بفسخ عقد تسيير سوق الجملة مما دفع الشركة المفوض لها إلى رفع دعوى أمام المحكمة الإدارية، طلبت فيها إلغاء قرار فسخ عقد تسيير سوق الجملة المتخذ من قبل البلدية . المحكمة الإدارية قضت برفض الدعوى غير أنه إثر استئناف حكم المحكمة الإدارية أمام المحكمة الإدارية للاستئناف بوهران أصدرت هذه الأخيرة قرارا مؤرخا في 1 جانفي 2024 قضى بإلغاء الحكم المستأنف و فصلا من جديد قضت بإلغاء قرار رئيس البلدية المتضمن فسع عقد تسيير سوق الجملة مع أمر البلدية بإعادة تنصيب الشركة المفوض لها في سوق الجملة . قامت البلدية برفع طعن بالنقض ضد قرار المحكمة الإدارية للاستئناف بوهران أسفر عن صدور قرار مجلس الدولة المؤرخ في 13 فيفري 2025.
قرار مجلس الدولة المؤرخ في 13 فيفري 2025 قضى بنقض و إبطال قرار المحكمة الإدارية للاستئناف لوهران و أحال القضية إلى نفس الجهة القضائية للفصل فيها من جديد ، و ذلك بعد أن قضى بأن الدعوى التي رفعتها الشركة المفوض لها ضد البلدية هي دعوى تعد من منازعات القضاء الكامل كون الأمر يتعلق بعقد ، و بالتالي فإن قرار فسخ عقد تسيير سوق الجملة الذي يربط الطرفين لا يعد قرارا إداريا لأنه ناتج عن العلاقة التعاقدية.
القاعدة إذا في المنازعات الناتجة عن تنفيذ اتفاقية تفويض المرفق العام أن الدعوى الرامية إلى الطعن في قرار فسخ هذه الاتفاقية من قبل السلطة المفوضة ترفع أمام المحكمة الإدارية في شكل دعوى القضاء الكامل أي دعوى التعويض و ليس في شكل دعوى إلغاء قرار الفسخ.هذه القاعدة كرسها مجلس الدولة في قرار ثان بنفس التاريخ ملف رقم 001849 يخص نفس النزاع حول آثار عقد تسيير سوق الجملة الذي فصل فيه القرار رقم 001850 ، و لكن هذه المرة يخص طلب إلغاء محضر رسو المزاد العلني لنفس سوق الجملة المحرر لفائدة شركة أخرى بعد صدور قرار الفسخ مع الشركة الأولى . مجلس الدولة قضى بنقض قرار المحكمة الإدارية للاستئناف لوهران الذي قضى بإلغاء محضر رسو المزاد العلني. اعتبر مجلس الدولة أن السلطة المفوضة لها الحق في فسخ عقد تفويض المرفق العام من جانب واحد و إبرام عقد جديد مع متعاقد آخر ، و أن المتعاقد الأول له فقط حق المطالبة بالتعويض في حالة ثبوت تعسف السلطة المفوضة في استعمال حق الفسخ.
الاستاذ براهيمي محمد
محامي لدى مجلس قضاء البويرة
brahimimohamed54@gmail.com